lundi 12 juillet 2021

بين تعاميم مصرف لبنان وعقود المصارف: الشفافية أساس استعادة الثقة...

 بين تعاميم مصرف لبنان وعقود المصارف: الشفافية أساس استعادة الثقة...

https://www.aljoumhouria.com/ar/news/604040/%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%85-%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%81-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%A7%D8%B1%D9%81--%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%81%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%B3-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A9?utm_source=editor&utm_medium=web&utm_campaign=listnews

Saturday, 10-Jul-2021 06:20

لطالما شكّلت شفافية السياسة النقدية وصدقية المصارف المركزية العمود الفقري لبناء الثقة في الجهاز المصرفي، خصوصاً في فترات الأزمات، حيث يزداد الحذر ويشتد القلق ويحتاج العملاء الاقتصاديون مزيداً من الطمأنة، حتى تجاه أكثر القرارات التي تصبّ في مصلحتهم... وسط الأزمة الاقتصادية ـ المالية - النقدية ـ المصرفية و»عجقة» تعاميم مصرف لبنان المركزي من جهة، و»تشكيلة» العقود التي تطرحها المصارف على المودعين من جهة أخرى، في غياب النص الموحّد بينها، تبقى استعادة الثقة في حاجة لما يُعرف في علم الإقتصاد بـ»التوجيه المسبق» Forward Guidance، الذي يمثّل أبرز ركائز السياسات غير النقدية، لتوضيح الرؤيا للمستقبل وإزالة الغموض الذي يغذي التردّد في القرارات. أي أسس للشفافية في السياسات النقدية؟ ما مدى ارتباطها باستقلالية المصارف المركزية؟ كيف تنعكس على عمل الجهاز المصرفي ككل؟ وأين تعكس واقع الحال في لبنان؟

من المعروف أنّ دور المصارف المركزية وصلاحياتها أصبح أكثر اتساعًا وتعقيدًا منذ الأزمة المالية العالمية لعام 2008، نظرًا للطبيعة غير التقليدية للسياسات النقدية التي اعتمدتها، وزيادة حجم تدخّلاتها في الإقتصاد حينها، ومن ثم خلال وباء كورونا والاضطرار الى مزيد من التدخّل لتمويل القطاعين العام والخاص، تخضع المصارف المركزية لإشراف أوثق بكثير، وتزداد الحاجة الى اطلاع الرأي العام بكل شفافية ووضوح على حيثيات خياراتها وانعكاساتها المستقبلية، لتحسين قدرة الناس على التوقّع العقلاني.. فكيف عندما تكون البلاد غارقة في أزمة معقّدة الأوجه كما هي الحال في لبنان؟

«العامل النفسي» لجهة الوضوح في كل قرار وكل خيار هو أساسي لبناء الثقة، ولكن أكثر ضرورة لاستعادة ثقة كانت موجودة وفُقدت بنحو دراماتيكي نتيجة عمق الأزمة وتشعّبها، كما هي الحال في لبنان، حيث بات التشكيك في مفاعيل أي قرار أو تعميم أو عقد، يصدر عن الجهاز المصرفي بمجمل مكوّناته، يسبق حتى قراءة نصّه!؟..

وعندما نتناول في علم الإقتصاد مفهوم الصدقية في السياسة النقدية، نعني بها أساساً أن تكون خيارات المصارف المركزية أكثر شفافية وخضوعاً للمساءلة، للحفاظ على ثقة الجمهور وعلى استقلاليتها وتعزيز فعالية إجراءاتها وتجاوب الجمهور معها.

لقد طور صندوق النقد الدولي قانون شفافية المصرف المركزي لمساعدة البلدان الأعضاء في تلبية هذه المطالب وزيادة الثقة والدعم للمصارف المركزية. يهدف ذلك إلى تعزيز التواصل الأكثر فعالية بين هذه المصارف وأصحاب المصلحة المتعددين، والحدّ من عدم اليقين والمساعدة في اتخاذ قرارات أفضل.

 

الشفافية والمساءلة

تشارك المصارف المركزية بنحو متزايد في أنشطة مختلفة. يتولّى مزيد منها، على سبيل المثال، مهمات الإشراف ووظائف الاستقرار المالي الأخرى. الشفافية هي أداة تسهّل المساءلة، من خلال تمكين الجمهور من فهم أفضل لطريقة خدمة الأنشطة المنفّذة لمصالحهم، وتتماشى في الاجراءات المحدّدة مع الهدف النهائي المتمثل بزيادة الكفاية. بسبب المسؤوليات المتزايدة والتوسع الهائل في الموازنات العمومية، يُطلب من المصارف المركزية بنحو متزايد تحديد ما تفعله، وكيف.. ولماذا... وتزداد هنا أهمية استقلالية المصرف المركزي التي أصبحت موضع تساؤل في عدد من البلدان، لاستخدام لغة المصارف المركزية، يمكننا القول إنّ الشفافية والمساءلة هما الضمانات الحقيقية لاستقلاليتها.

هذا المنحى هو جزء من التركيز الأوسع لصندوق النقد الدولي على قضايا المساءلة والحوكمة. كونها اختيارية، فهي تسمح للمصارف المركزية قياس الشفافية في 5 مجالات أو «ركائز» أساسية: الحوكمة والتوجّهات الرئيسية والعمليات والنتائج والعلاقات الرسمية. لكل ركيزة تقدّم المدونة قائمة بأفضل الممارسات («الأساسية» أو «الموسعّة» أو «الشاملة») للوظائف الأساسية، مثل السياسة النقدية أو السياسة الاحترازية الكلية.

تمّ إنشاء هذه المجموعة من الممارسات في ضوء التنوع الهائل للمصارف المركزية في 189 دولة عضو في صندوق النقد الدولي، من حيث الأطر القانونية وترتيبات الحوكمة ومستويات التنمية الاقتصادية والمالية. يمكن لكل مصرف مركزي وأصحاب المصلحة تحديد ما إذا كان يتمّ الالتزام بالشفافية الموضوعية في الممارسة، اعتمادًا على الوضع المحدّد في كل بلد. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه اللائحة ليست أداة تصنيف، وليس المقصود منها التعبير عن التفضيلات أو تقديم توصيات في شأن التفويضات أو الهياكل المؤسسية أو إجراءات الحوكمة الخاصة بالمصارف المركزية.

من المسلّم به أنّ الشفافية ليست هدفًا مطلقًا أو غاية في حدّ ذاتها. ولدى المصارف المركزية أسباب مشروعة لتأخير أو عدم إصدار بيانات السوق الحساسة ومواد الاستقرار المالي والبيانات الشخصية. ويُعتبر مفهوم السرّية وثيق الصلة، خصوصاً بالتدخّلات في سوق الصرف الأجنبي، وإدارة الاحتياطيات، والقرارات الإشرافية المتعلقة بمؤسسات معينة وتوفير السيولة الطارئة. ويحدّد القانون الشروط الواجب استيفاؤها ويسلّط الضوء على المبدأ العام الذي يقضي بضرورة أن تضع المصارف المركزية قواعد واضحة لشرح المعلومات التي تظل سرّية ولأي أسباب.

إستقلالية المصرف المركزي

بعد الفورة الكبرى في الثمانينات حول مفهوم استقلالية المصرف المركزي وأهميتها لتأمين صدقية السياسات النقدية، عادت هذه الاشكالية بمتطلبات مختلفة في السنوات الأخيرة، خصوصاً مع اعتماد السياسات النقدية غير التقليدية بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008. فماذا تعني السياسات النقدية غير التقليدية، لا سيما في ما يتعلّق بضرورة استقلالية المصرف المركزي لتحقيق صدقية السياسة النقدية؟ ما هي أبرز أشكال هذه السياسات وأُسسها؟ وما مدى تأثيرها المرتقب على صعيد الاستقرار النقدي كما المالي؟

عندما نتحدث في الاقتصاد عن استقلالية المصرف المركزي، نعني بها تحديداً استقلالية السلطة النقدية عن السلطة السياسية، بحيث يكون للمصرف المركزي حرّية تحديد خياراته في اعتماد السياسة الأنسب، للحفاظ على الاستقرار النقدي في الشق الداخلي عبر ضبط التضخم، وفي الشق الخارجي عبر الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية تجاه العملات الأجنبية. ومن المعروف إقتصادياً، أنّ مفهوم استقلالية المصرف المركزي يعتمد على ثلاث ركائز أساسية: الاستقلالية القانونية في النصوص، الاستقلالية الفعلية في الممارسة، والاستقلالية المالية في حسابات المصرف المركزي تجاه الدولة.

ولطالما شدّدت الأدبيات الاقتصادية، وخصوصاً مع الموجة الكلاسيكية في الثمانينات، على أنّ تحقيق الهدف الرئيسي للمصرف المركزي بتأمين الاستقرار النقدي لا يمكنه أن يتحقّق إلّا من خلال الفصل التام للسياسة النقدية لهذا المصرف عن السياسة المالية للحكومة ووزارة المال، خصوصاً لتفادي لجوء الحكومة ممثّلة بوزارة المال الى طلب تغطية عجوزاتها المالية من خلال تدخّل المصرف المركزي، إن كان عبر ضخ السيولة وتحمّل انعكاساتها التضخمية الفورية، أو من خلال الضغط على المصرف المركزي للمساهمة في الدين العام، عبر الاكتتاب بسندات الخزينة والتفاوض حول شروطها بالكمية والآجال ومستوى الفوائد… أو طبعاً اللجوء الى افتعال زيادة في السيولة واصطناع نهضة عابرة في الأسواق في فترات محدّدة، مثل الفترات التي تسبق الإنتخابات، لإحداث صدمة إيجابية وهمية، لا تلبث أن تتحوّل كابوساً تضخمياً يصعب ضبطه، دون أن تكون مساهمة بنمو إقتصادي حقيقي وخلق فرص العمل المطلوبة.

 

السياسات النقدية غير التقليدية

أما منذ الأزمة المالية عام 2008، فقد اضطرت المصارف المركزية الى التدخّل في الأسواق، ولعب دور المنقذ لتأمين السيولة المطلوبة للقطاعين العام والخاص، وتفادي الانهيارات الشاملة، عبر السياسات النقدية غير التقليدية المعتمدة، والتي شكّلت مفترقاً كبيراً في مفهوم إستقلالية المصرف المركزي لجهة تأمين التدخّل المطلوب لتمويل الاقتصاد، مع المحافظة في الوقت نفسه على صدقية سياسته النقدية ومنع المسّ بخياراته في تأمين الاستقرار النقدي الضروري.

وقد جهدت السياسات الحديثة غير التقليدية في تثبيت إمكانية تحقيق صدقية المصرف المركزي، ولو في ظل مساهمته في تمويل الدولة والدين العام، عبر زيادة السيولة وخفض معدل الفوائد الى ما يلامس حدود الصفر، دعماً للاستثمار ولتنيشط الاقتصاد ككل، ذلك أنّ من خلال سياسة المعايير الإسترشادية القائمة على إعطاء الجمهور علماً مسبقاً بمخططات السلطة النقدية لجهة تنامي Forward Guidance الكتلة النقدية ومستوى الفوائد واتجاه سعر الصرف، بما يساعد العملاء الاقتصاديين في صوغ توقعاتهم بنحو صحيح، خلافاً لأسلوب المفاجأة والكتمان الذي كانت بعض المصارف المركزية تعتمده لإحداث فورة اقتصادية فجائية ولو بكلفة تضخّم باهظة.

إستعادة الثقة خصوصاً في ظلّ الأزمات، تتطلّب وضوح الرؤية لحسن التوقّع للمستقبل. فيما المودع في لبنان وبعد طول انتظار لاستعادة جزء من ودائعه بالدولار الأميركي، وجد نفسه في حالة غموض للمستقبل، عند قراءة بعض عقود تطبيق التعميم الجديد الرقم 158 مدّتها قد تصل الى 5 سنوات، ولكن دون تعهّد المصارف بالإلتزام إلّا بشروط السنة الأولى منه... فكيف يطمئنون ويتجاوبون؟

علماً أنّ مصرف لبنان جهد أخيراً، إن كان لجهة الإعلان عن التوجّهات النقدية للمصرف المركزي، او لجهة الإضاءة على دقة الأوضاع المالية التي تستدعي تدخّله، خصوصاً عبر الاضطرار الدائم الى تمويل القطاع العام، حتى أصبح أبرز المكتتبين بسندات الخزينة والتي تدفعه مراراً الى المشاركة في عمليات الـ»سواب» والهندسات المالية مع المصارف التجارية، مما يعكس الشكل الثاني من السياسات النقدية غير التقليدية المعروفة بسياسات التليين النقدي الكمّي Quantitative Easing القائمة على ضخ السيولة لشراء السندات المالية من القطاعين العام والخاص والتليين النقدي النوعي، فضلاً عن الشكل الثالث للسياسات النقدية غير التقليدية، القائمة على الشراء الكثيف للسندات، على الرغم من ارتفاع درجة مخاطرها Qualitative Easing.

إلّا أنّ السياسات الحديثة غير التقليدية، ومنها في لبنان «الهندسات المالية» التي أجّلت إنفجار الأزمة، واجهت عوائق عدة حدّت من فعاليتها، وخصوصاً من حيث انعكاساتها على المالية العامة وتحفيز الدولة على ترشيد الإنفاق العام وضبط الدين العام، خصوصاً وأنّ خفض الفوائد، ومنها طبعاً على سندات الخزينة، مما يسمح للدولة بالتراخي في ضبط المديونية، طالما أنّها غير مكلفة لجهة خدمة الدين العام (أي الفوائد السنوية على أصل الدين) فلا يضغط عليها لتأمين الانضباط في سياستها المالية وتفادي العجز والاستدانة.

وأكثر من ذلك، يبقى التحدّي الأساس بعد انقضاء الأزمة، في إمكانية الخروج عن السياسات النقدية غير التقليدية، والعودة الى اعتماد السياسات النقدية التقليدية، من دون إحداث بلبلة في توقعات الجمهور، بل طمأنته بشفافية الى مجرى الخيارات الجديدة، فضلاً عن الضغط لضبط المالية العامة لعدم الاضطرار الى التدخّل في استمرار واستنفاد إمكانات المصرف المركزي وحرفه عن دوره الرئيسي في تأمين الاستقرار النقدي، لإغراقه في تمويل الدولة وطبع العملة لتلبية حاجات السوق. ويكفي لذلك مراقبة تطور حجم الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية في لبنان، وكيف تُترجم يومياً بالتضخم وتدهور سعر الصرف...

في اختصار، إذا كانت شفافية السياسة النقدية أساس الثقة بالسياسة المصرفية، فلا يمكن توقّع إستعادة الثقة في الأزمات، عبر مزيد من الغموض... الصدقية تبدأ بإعلان الأهداف والخيارات وتتثبت بالإلتزام بآليات وروزنامة تطبيق العقود... هكذا فقط يتشجع الناس على التجاوب، فيساهمون بنجاح السياسات والإجراءات وفعاليتها...


بعد 22 عاماً من تثبيت الدولار/الليرة: لماذا اندلعت أزمة سعر الصرف؟

 بعد 22 عاماً من تثبيت الدولار/الليرة: لماذا اندلعت أزمة سعر الصرف؟

https://www.aljoumhouria.com/ar/news/598449/%D8%A8%D8%B9%D8%AF-22-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%AB%D8%A8%D9%8A%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%84%D8%B9%D8%AA-%D8%A7%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%B3%D8%B9%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B1%D9%81?utm_source=editor&utm_medium=web&utm_campaign=listnews


Friday, 04-Jun-2021 06:30

بعد 22 عاماً من تثبيت سعر صرف الدولار الأميركي الى الليرة اللبنانية منذ عام 1997 على معدّل 1507.5، كاد هذا الرقم يشكّل حقيقة ثابتة ورمز الثقة الوحيد بالإقتصاد اللبناني، وبات غير قابل للبحث، وكأنّ سعر الصرف على جزيرة نائية، لا يتأثّر بكل ما يدور حوله من تطوّرات تطاول مختلف المؤشرات الماكرو-إقتصادية وعوامل المخاطر الناتجة من غياب الاستقرار السياسي، التي تعتمدها مختلف مؤسسات التصنيف الدولية، لتقييم قدرة البلدان على سداد ديونها بالعملات الأجنبية...من هنا لا يزال السؤال المركزي في مختلف الأوساط يتمحور حول الأسباب العميقة لاندلاع ازمة سعر الصرف؟ والجواب المباشر: إذا أردتم أن تعرفوا ماذا جرى عام 2019، إبحثوا في ما حصل منذ العام 2011...

إنطلاقاً من الأدبيات العلمية الإقتصادية، من المعلوم أنّ تاريخ أزمات سعر الصرف عالمياً أتاح وفق المراحل تفسير أبرز أسبابها وعناصر تطوّرها من خلال «أجيال من النماذج» التي تأخذ في الاعتبار أصل الأزمات وعواملها ومحدّداتها الرئيسية.

في هذا السياق، تمّ تصنيفها وفق ثلاثة أجيال من النماذج وهي:

- نماذج الجيل الأول، الذي يفسّر الأزمات بملاحظة تدهور أساسيات الاقتصاد الكلي، أي تدهور شامل لمختلف المؤشرات الماكرو-إقتصادية بشكل جامع ومتراكم لسنوات (عجز مالي، تراجع في نمو الإقتصاد، عجز في ميزان المدفوعات...) بحيث يفقد الإقتصاد المعني ثقة مختلف العملاء الإقتصاديين به وبعملته...

- نماذج الجيل الثاني، التي تشرح حالات أزمة العملة، حيث يبدو أنّ المتغيّرات الأساسية للاقتصاد الكلي لم تتدهور؛ تنشأ هذه الأزمات من توقعات العملاء الإقتصاديين للتطور المستقبلي للمؤشرات في ما يتعلق بشكوك السوق، مما يخلق توازنات متعددة ؛

- نماذج الجيل الثالث، التي تخلق علاقة بين أزمات العملة والأزمات المصرفية. يمكن أن تؤدي أزمة العملة أيضًا إلى أزمة مصرفية إذا كانت المصارف الخاصة مثقلة بالديون بالعملة الاحتياطية.

 

في حالة لبنان وبمنهج تحليلي تسلسلي، يتبيّن أن نموذج الجيل الأول هو اكثر ما يفسّر إنفجار الأزمة النقدية وسعر الصرف عام 2019، بالنظر الى تراكم تدهور جميع المؤشرات الماكرو-إقتصادية وبشكل حاد ومتصاعد تحديداً منذ العام 2011.

 من هنا، يتبيّن أنّ أساسيات الاقتصاد الكلي تشرح تماماً كيف أنّ الفترة الممتدة بين عام 2011 وعام 2019 كانت تحضّر أزمة سعر الصرف على أفضل وجه، من خلال التدهور التراكمي المعمّم لجميع مؤشرات الاقتصاد الكلي في الماضي. ولبنان على وجه الخصوص منذ عام 2011، كما سنُظهر في هذا الإطار.

أزمة العملة «الجيل الاول»

بول كروغمان (1979)، كان رائداً في المفهوم النظري الأساسي لما يُسمّى بنموذج أزمة العملة «الجيل الأول». يوضح كروغمان من خلال نموذجه، أنّ نمو الإئتمان المحلي المرتبط بتمويل عجز الميزانية المزمن عن طريق الاقتراض من البنك المركزي (عن طريق طبع النقد)، يؤدي إلى انخفاض الاحتياطيات، ويجبر السلطات النقدية على التخلّي عن نظام أسعار الصرف الثابتة.

 

ويظهر، مع تساوي جميع العوامل الأخرى، أنّ الاحتياطيات تنخفض، لأنّ القطاع الخاص غير راغب في الاحتفاظ بالجزء المتزايد من القاعدة النقدية. النتيجة المنطقية التي يشرحها كروغمان، هي أنّه سيكون هناك هجوم مضاربات، بسبب التوسع المفرط في المعروض النقدي (التضخم)، ما يؤدي إلى استنفاد الاحتياطيات وبدء أزمة العملة.

 

وبالتالي، فإنّ الحفاظ على التكافؤ في سعر الصرف يؤدي بالبنك المركزي إلى السحب من احتياطياته لإعادة شراء عملته، متدخّلا في سوق القطع في حدود استنفاد احتياطياته، ما يضطر البنك المركزي إلى التخلّي عن أسعار الصرف الثابتة ومراقبة نظام سعر الصرف العائم.

وطبعاً، لا تتغيّر النتائج الأساسية للنموذج في حالة تمويل عجز الموازنة عن طريق إصدار الأوراق المالية بدلاً من طباعة النقد مباشرة.

 

في هذه الحالة، تؤدي خدمة الدين إلى زيادة تدريجية في العجز حتى يعبّر فيها القطاع الخاص عن رفضه الاحتفاظ بمزيد من سندات الدين. وقد يؤدي ذلك إلى لجوء السلطات إلى طباعة النقد لتمويل العجز المالي.

 

ويتلخّص تدهور المؤشرات الماكرو-إقتصادية وفق ثلاثة مرتكزات أساسية:

1) إنغماس الجهاز المصرفي في تمويل الدين العام المتنامي، والذي تمت دولرة ثلثه (اي أنّ ثلث الدين العام هو بالعملات الأجنبية)، ويحمل الجهاز المصرفي أكثر من نصف الدين بالعملات الأجنبية، فضلاً عن معظم الدين العام بالليرة اللبنانية..

2) الدولرة الثابتة والمرتفعة منذ الأزمة النقدية في لبنان في الثمانينات على الرغم من تثبيت سعر الصرف طيلة 22 عاماً.

3) التمسّك باعتماد نظام ربط سعر صرف الليرة اللبنانية بالدولار الأميركي بشكل متشدّد على معدّل 1507.5، بغض النظر عن أي تطوّرات في مختلف المؤشرات الماكرو-إقتصادية، لاسيما منها تراكم العجز الحاد لميزان المدفوعات منذ العام 2011، مما ساهم بنفاد إحتياطي البنك المركزي بالعملات الأجنبية.

أولاً، انغماس القطاع المصرفي في تمويل الدين العام، من خلال شراء سندات يوروبوند بقيمة 15 مليار دولار أميركي، وشهادات إيداع من مصرف لبنان بقيمة 52.2 مليار دولار (بلومبرغ)، والتي تُضاف إلى 17.5 مليار دولار كانت تشكّل الاحتياطي الإلزامي على الودائع بالعملات الأجنبية، أو ما يفوق 70 مليار دولار لدى مصرف لبنان من إجمالي الودائع بالعملات الأجنبية البالغة 120 مليار دولار.. تُضاف الى معظم الدين العام بالليرة اللبنانية الذي يحمله الجهاز المصرفي..

 

مما يجعل معظم الودائع موظفّة لدى القطاع العام من خلال القطاع المصرفي. كما أنّ معظم الودائع بالعملات الأجنبية عالقة في القطاع العام بين شهادات الإيداع بالدولار للمصرف المركزي وشراء اليوروبوند للدولة اللبنانية.. يعني أنّ المصارف منكشفة على القطاع العام بما يفوق ثلثي التوظيفات لديها، فيما تسليفاتها للقطاع الخاص تقلّ عن ثلث التوظيفات...

 

وعلى الرغم من مخاطر الاستدانة بالعملات الأجنبية خصوصاً، تظهر الأدبيات الإقتصادية ميل البلدان الناشئة والبلدان المشابهة لوضع لبنان الاقتصادي، الى الاستدانة بالدولار الأميركي لتتمكن من استقطاب تمويل من الأسواق الخارجية. من هنا اللجوء إلى إصدار سندات اليوروبوند للحصول على تمويل على الصعيد الدولي، كما لكون معدّلات الفوائد على سندات اليوروبوند عمومًا تكون أقل من معدلات الفائدة على سندات الخزينة بالعملة الوطنية (نظرًا لاختلاف عوامل المخاطرة) مما يساعد في تخفيض خدمة الدين. وهذا كان أساس هدف زيادة حصة الدين العام بالدولار الأميركي من مجموع الدين العام في لبنان.

 

ثانياً، الدولرة (نسبة الودائع بالدولار الأميركي من مجموع الودائع في لبنان)، التي بدأت في لبنان أثناء الأزمة النقدية في الثمانينات، بقيت مرتفعة على الرغم من تثبيت سعر صرف الليرة إزاء الدولار الأميركي طيلة 22 عاماً، الأمر الذي كان يفترض أن يعيد أكثر الثقة بالليرة اللبنانية ويخفّض معدّل الدولرة. علماً أنّ الدولرة في لبنان كانت ولا تزال خياراً تلقائياً للقطاع الخاص، القلق من تدهور سعر الصرف وخسارة القدرة الشرائية للعملة الوطنية، وقد بقي يحاول أن يحتمي بتحويل معظم مدخراته الى الدولار الأميركي، على الرغم من تثبيت سعر الدولار لسنوات... إلّا أنّ الدولرة غير الرسمية والجزئية المرتفعة، ترافقت مع إنشاء البنك المركزي لغرفة مقاصة بالعملات الأجنبية، كما سمح للمصارف بتعبئة الصراف الآلي بالدولار الأميركي، مما ساهم في تدفّق الدولار نحو السوق الموازي بشكل غير منضبط، وتمويل المضاربة على الليرة، كونه كان يُسمح لأي مقيم على الأراضي اللبنانية بإيداع مثلاً 150 ألف ليرة لبنانية في حسابه الجاري وسحبها مباشرة 100 دولار أميركي ورقاً، دون أي تدقيق، بسبب التحويل والسحب الورقي لعملة اجنبية لا يمكن طباعتها في لبنان!

mercredi 19 mai 2021

من خيارات «مصرف لبنان».. الى الأمر الواقع!

من خيارات «مصرف لبنان».. الى الأمر الواقع!

د. سهام رزق الله

أستاذة مُحاضرة في كلية العلوم الاقتصادية لجامعة القديس يوسف


Tuesday, 18-May-2021 05:50

https://www.aljoumhouria.com/ar/news/595734/%D9%85%D9%86-%D8%AE%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%81-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9?utm_source=editor&utm_medium=web&utm_campaign=listnews

طيلة 22 عاماً من «ربط» سعر صرف الليرة اللبنانية بالدولار الأميركي لم يكترث أحد بكلفة سياسة سعر الصرف وارتفاع معدلات الفوائد وأوضاع الاحتياطي بالعملات الأجنبية وضغط ميزان المدفوعات، ولا بالسعي الى تعزيز الثقة بالعملة الوطنية وضبط مستوى الدولرة... بقيت الدولرة «ثابتة» في الاقتصاد اللبناني، وبقيت الكلفة من «تثبيت» سعر الصرف خياراً حصرياً، وأصبح أمراً واقعاً يستدعي تدخّلاً متواصلاً لمصرف لبنان في سوق القطع، للحفاظ على معدل 1507.5 ليرات لكل دولار، بغض النظر عن نشاط الاقتصاد وحركة الرساميل والميزان الخارجي.. فما هي علاقة «ثبات» الدولرة بـ»تثبيت» سعر الصرف؟ أين كانت تكمن عناصر المخاطرة في التعامل معها؟ أي خيارات كانت متاحة؟ وأي أمر واقع يفرض نفسه اليوم؟

 

منذ ارتفاع معدل الدولرة إلى 86% في أعقاب التضخم الجامح عام 1987، صمدت الدولرة في لبنان وانخفضت فقط إلى أقل من 70% بقليل، لترتفع إلى أكثر من 76% اليوم. حتى اندلاع الأزمة في عام 2019، كانت الودائع بالدولار قد بلغت نحو 120 مليار دولار، أي مرة ونصف من الناتج المحلي الإجمالي للبنان في ذلك الوقت، واحتفظ القطاع المصرفي بيوروبوند بقيمة 15 مليار دولار، كما احتفظ بـ70 مليار دولار لدى مصرف لبنان على شكل احتياطات الزامية على الودائع بالعملات الأجنبية (15% من الودائع بالعملات الأجنبية أو ما يقرب من 18 مليار دولار) وشهادات إيداع بالدولار (تقدّرها بلومبيرغ بـ 52.8 مليار دولار)... بينما مصرف لبنان حمل سندات دولية مقابل 5.7 مليارات دولار.

 

أما في أحدث الأرقام في نهاية آذار 2021، فقد أصبحت ودائع القطاع الخاص بالعملات الأجنبية الى حدود 109.89 مليارات دولار، وودائع القطاع الخاص بالليرة اللبنانية 49460 مليار ليرة لبنانية (أي ما يوازي 32.81 مليار دولار وفق سعر الصرف الرسمي 1507.5). وبذلك أصبح ما يعادل مجموع الودائع 142.7 مليار دولار أميركي، مقابل 180 مليار دولار قبل اندلاع الأزمة.. وعاد وارتفع معدّل الدولرة الى 80.24%.

 

وبذلك، يتبيّن تمسّك الاقتصاد اللبناني بمعدّل مرتفع للدولرة، حتى لو بقيت جزئية وغير رسمية، ولو بعد 22 عاماً من «تثبيت» وليس «ثبات» سعر الصرف، نظراً لاستمرار تدخّل المصرف المركزي في سوق القطع حفاظاً على مستوى متشدّد من ضبط سعر العملة ضمن هامش ضيّق 1501-1514 وسعر وسطي 1507.5.. كما أنشأ مصرف لبنان غرفة مقاصّة للشيكات الدولارية، وجعل من الممكن ملء أجهزة الصراف الآلي (ATM) بالعملتين، الليرة اللبنانية والدولار الأميركي، الأمر الذي شكّل عصب الأساس لخطر المضاربة قبيل الأزمة وبداية شح الدولار الورقي. إذ كان بإمكان أي «مقيم» على الأراضي اللبنانية إدخال أموال بالليرة اللبنانية الى حساب جارٍ ثم سحبها بالدولار الورقي مباشرة من الصراف الآلي من دون أي رقيب أو حسيب، فيما كل بلدان العالم لا تملأ الصراف الآلي سوى بعملتها الوطنية، وتفرض على كل من لديه حساب بالعملة الأجنبية أن يبرر الى المصرف أي طلب سحب بالعملة الأجنبية ورقياً ومن داخل الفرع وليس من الصراف الآلي.

 

وقد أدّت الدولرة المرتفعة إلى عدم فعالية أي أداة استقرار قائمة على التحكّم بالكتلة النقدية بالليرة اللبنانية، وأدّت إلى اعتماد الاستقرار على أساس تثبيت سعر الصرف من خلال التدخّل المستمر لمصرف لبنان في سوق الصرف، مما يتطلب بشكل دائم توفير احتياطات بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان لتأمين هامش تدخّله في سوق الصرف. وقد تطلب ذلك جذب ما يكفي من الدولارات من الخارج، وتحقيق فوائض في ميزان المدفوعات (حيث تقليدياً فائض ميزان الرساميل يعوّض عجز الميزان التجاري في بلد يستورد أكثر من 80% من إستهلاكه).

 

من المعروف أنّ معظم البلدان المدولرة عانت من نوبات انخفاض حاد في سعر الصرف، ومع عودة الاستقرار، غالباً ما كان يختفي فرق العوائد بين العملتين؛ ومع ذلك، هناك عدد قليل من البلدان التي حدث فيها انعكاس كبير في عملية الدولرة، أي معاودة استخدام العملة الوطنية حصرياً والتخلّي عن التعامل بالعملات الأجنبية، أو ما يُعرف بـ»اللارجعة» عن الدولرة، مما يجعلها تتمسّك بتثبيت ربط سعر العملة الوطنية بالدولار الذي يتمّ استخدامه بشكل متوازٍ مع العملة الوطنية في الأسواق..

 

ووفق التقرير السنوي عن ترتيبات نظام الصرف وقيود الصرف (2018) تمثل البلدان التي تعتمد تقييد أو ربط سعر الصرف حوالى 42% من مختلف البلدان، تليها البلدان التي تعتمد أطر السياسة النقدية الأخرى (24%)، والبلدان التي تحدّد مستوى التضخم (21%)، وتلك التي تعتمد غيرها من الأهداف النقدية (13%). وتحاول بعض الدول التي تستهدف سعر الصرف التحرّك نحو مزيد من المرونة في سعر الصرف، كما فعلت دول أخرى في السابق، في حين فضّلت بعض البلدان الاستقرار في إطار تثبيت سعر الصرف بشكل مستدام.

 

في ظلّ حرية حركة الرساميل وسعر الصرف الثابت مقابل عملة واحدة، على سبيل المثال، يمكن للبنك المركزي أن يعتمد سياسة التدخّل فقط وفق مبدأ منع حصول انحرافات كبيرة في سعر الصرف أو شرط تكافؤ أسعار الفائدة بين العملة المحلية والدولار الأميركي. في ظلّ نظام ربط موثوق به، من غير المتوقع أن تتغيّر الفائدة على العملة المحلية بالنسبة إلى العملة التي ترتبط بها سوى بفارق علاوة المخاطرة. إذا كان هناك انحراف مقصود عن شرط تعادل سعر الفائدة، يمكن للرساميل، نظرياً، أن تتدفق إلى الدولة ذات معدل الفائدة الأعلى والأقل خطرًا.

 

ومع ذلك، فإنّ السياسة النقدية في ظل ربط سعر الصرف أكثر تعقيداً من ردّ الفعل البسيط وفقاً لقاعدة معينة من قواعد السياسة النقدية، إذ لا تحتاج السياسة فقط إلى إدارة فرق سعر الفائدة وسدّ فجوة التضخم مع البلدان التي تشهد إستقراراً راسخاً.

 

كما ينبغي على البلد الذي يتمسّك بربط عملته المحلية بعملة أجنبية دولية مستقرة أن يأخذ على عاتقه مستوى الاحتياطيات لديه بالعملات الأجنبية، التي تُعتبر كافية لدعم صدقية الربط، وذلك يتطلّب الحرص على تأمين فائض سنوي بميزان المدفوعات مما يعني دخول عملات أجنبية أكثر من خروجها سنوياً من البلد المعني. أكثر من ذلك، تحتاج السياسة النقدية إلى معالجة الاختلالات المحتملة في أسعار الصرف التي يمكن أن تنشأ عن التغيّرات المتوقعة في العملات الأساسية، أو الاختلالات في أسواق المال والعملات الأجنبية.

 

وغالباً ما يكون الحجم الإجمالي لتدفقات العملات الأجنبية - المرتبطة بالمعاملات الجارية وحسابات رأس المال - بدلاً من درجة حرية حركة الرساميل هو المحرّك للمراجحة بين أسواق المال وأسواق العملات الأجنبية، مما يؤدي بدوره إلى تشكيل طبيعة انتقال النقد. الصدمات الخارجية يمكن أن تكون صدمات الميزان الجاري أو ميزان الرساميل، ويمكن أن تكون للبلد حرية حركة الرساميل دون أن يعني ذلك حتماً إمكانية تدفقها إليه. من ناحية أخرى، حتى عندما تكون حركة الرساميل مقيّدة نسبياً، فإنّ قدرة البنك المركزي على التحكّم بالفائدة يمكن أن تكون صعبة، خصوصاً عندما تكون احتياطيات العملات الأجنبية منخفضة، ويكون الاقتصاد معرّضاً لصدمات كبيرة في شروط التجارة والعملات، فيكون الخيار الأمثل باعتماد سعر صرف يتماهى مع طبيعة الصدمات - سواء كانت فعلية أو اسمية - ودرجة حرية حركة الرساميل.

 

ويلاحظ عادة خوف العديد من البلدان النامية من تعويم سعر الصرف، وتسعى الى ربط سعر صرفها أو إدارته بإحكام لعدد من الأسباب لا سيما منها زيادة احتياطياتها بالعملات الأجنبية، والحفاظ على التنافسية، والحدّ من الضغوط التضخمية في غياب ربط اسمي بديل. وتربط بعض البلدان سعر الصرف الخاص بها بسعر الصرف للاقتصاد الأكبر والأكثر ثباتاً، وخصوصاً عندما يكون البلد المعني مدولراً...

 

وعادة ما يلعب سعر الصرف دوراً مهيمناً في اقتصادات الأسواق النامية والناشئة مقارنة بالاقتصادات المتقدّمة، حيث تتمّ المعاملات الأجنبية بالعملة المحلية، وتكون الأسواق أعمق، والقطاع الخاص أكثر استعدادًا للتعامل مع مخاطر العملات الأجنبية.

 

يمكن إدارة سعر الصرف من خلال التدخّلات التقديرية أو القائمة على القواعد، أو من خلال استخدام معدّل الفائدة الذي يقلّل من الحاجة إلى تدخّلات كبيرة في العملات الأجنبية، وبالتالي الحفاظ على احتياطيات العملات الأجنبية. وتسمح السياسات النقدية وسياسات أسعار الصرف التقديرية بالكامل بتحقيق أكبر قدر من المرونة في الاستجابة للصدمات غير المتوقعة ولكنها قد تؤدي إلى إشارات متضاربة حول أهداف البنك المركزي، مما يقوّض صدقية السياسة النقدية.

 

ومعلوم أنّ ربط العملة المحلية بسلة من العملات يقلّل من مخاطر الاختلال، على وجه الخصوص عندما يُتوقع حدوث تغييرات كبيرة في العملة الأساسية الواحدة وفق الخيار الذي طرحه نموذج الاقتصادي Williamsson عام 2000 وتمّ بحثه في لبنان عام 2006، دون التمكّن من اعتماده، بهدف حماية لبنان من «التضخّم المستورد» لتقلّب سعر صرف الدولار مقابل سائر عملات البلدان التي تُعتبر شريكاً تجارياً أساسياً للبنان مثل أوروبا... تتأثر الدولة ذات التجارة المتنوعة التي تربط سعر الصرف بعملة واحدة - أو بسلة من العملات ذات الوزن السائد لعملة معينة - بشكل أكبر، بتقلبات هذه العملة الأساسية المهيمنة التي يمكن أن تعطل توازن الاقتصاد الكلي.

 

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ التغييرات في الأسعار الثنائية تخلق مستوى معيناً من مخاطر العملات الأجنبية وتحفّز السوق المشاركين على التحوط بشكل أفضل ضدّ مخاطر تقلّب أسعار عملات الشركاء التجاريين الرئيسيين لأي بلد بين بعضها، وإزاء العملة الأساسية التي اختار ربط عملته بها بشكل خاص.. فكان لبنان يشعر بارتفاع كلفة المنتجات الأوروبية مثلاً كلما ارتفع سعر الأورو تجاه الدولار بسبب ربط الليرة اللبنانية بالدولار حصرياً وليس بسلة من العملات لأبرز الشركاء التجاريين للبنان، لا سيما الأورو، نظراً لحجم الاستيراد من البلدان الأوروبية...

 

كل الخيارات الاستباقية للأزمة، من منع التداول بالدولار الورقي عبر الصراف الآلي لضبط المضاربة، أو اعتماد استقرار الليرة إزاء سلة من العملات وتوسيع هامش التدخّل في سوق القطع وفق المؤشرات الماكرو اقتصادية، خصوصاً منها ميزان المدفوعات، لم تعد اليوم تجدي نفعاً. في الوضع الجديد أصبح الانتقال الى نظام سعر الصرف المرن أمراً واقعاً وليس خياراً، واصبح تدخّل المصرف المركزي لضبط الاختلالات الكبرى مرتبطاً بتصحيح الخلل الأساسي، المتمثّل بميزان المدفوعات، الذي لا يرتبط بقرار لمصرف لبنان بل بسياسة إقتصادية إصلاحية شاملة للدولة اللبنانية، تعيد ترميم علاقات لبنان الاقتصادية الخارجية، وتسترجع الثقة لاستقطاب الرساميل والاستثمارات والسياح، لتأمين توازن «فعلي» وليس «اصطناعياً» لليرة اللبنانية إزاء العملات الأجنبية. 

بين مصادر تمويل الدولة واحتياطي مصرف لبنان... هل دقّت ساعة "الدعم"؟

بين مصادر تمويل الدولة واحتياطي مصرف لبنان... هل دقّت ساعة "الدعم"؟

د. سهام رزق الله

أستاذة مُحاضرة في كلية العلوم الاقتصادية لجامعة القديس يوسف

Wednesday, 05-May-2021 06:43

يحتدم اليوم السجال الإعلامي حول إمكانيات واحتياطي مصرف لبنان ودوره في ما سُمّي خطأ بـ"الدعم" للاقتصاد الوطني، من خلال سياسته النقدية والبحث عن خيارات سبل تمويل الدولة، بعد التمادي في "تغطيس" الجهاز المصرفي في تمويل عجوزاتها حتى غرق الجميع في مركب واحد.

فما هي إشكالية التمويل العام وأي خيارات متاحة؟ وأي أدوات للمصرف المركزي في تأمين التمويل، وبأي وسائل تحفظ سلامة الاستقرار النقدي المفترض أن يشكّل الهدف الرئيسي للمصرف المركزي؟ الإجابة تتطلّب من ناحية استعراض مختلف وسائل تمويل القطاع العام، ثم البحث بمهمة المصرف المركزي وأدواته في إدارة السياسة النقدية، ومنها تحديداً "الاحتياطي الالزامي". ما كانت أبرز خيارات مصرف لبنان والقطاع المصرفي في السنوات الأخيرة؟ وكيف تترجم إنعكاسها اليوم؟

من المعروف إقتصادياً، أنّ مصادر تمويل رئيسية لأي عجز في مالية الدولة، تكون:

 

أولاً، زيادة الإيرادات الضريبية عبر زيادة الضرائب المباشرة وغير المباشرة وزيادة الرسوم. الضرائب المباشرة تكون أكثر عدالة كونها مرتبطة بقدرة المكلّفين وتشمل الضرائب على أرباح المؤسسات، الضرائب على الرواتب والأجور، الضرائب على فوائد الودائع المصرفية، والضرائب على إيجار الأملاك العقارية... وكلما كانت هذه الضرائب تصاعدية تراعي قدرة المكلّفين بها وتزيد العدالة الاجتماعية في التعامل معهم.


أما الضرائب غير المباشرة (مثل ضريبة القيمة المضافة على السلع) فتكون أقل عدالة، كونها لا تميّز بين قدرات المكلّفين وتضع عليهم نفس الأعباء بغض النظر عن اختلاف الامكانيات. وبما أنّها الأسهل للتحصيل بشكل تلقائي من قِبل المؤسسات التي تبيع المنتجات من دون امكانية التهرّب منها (خلافاً لضريبة الأرباح مثلاً) تستسهل البلدان النامية الاعتماد عليها، لا بل زيادتها كلما احتاجت الى تحقيق تمويل اضافي، من دون عناء التدقيق والتحقق والمتابعة للتحصيل.

 

ثانياً، اللجوء الى السلفات المباشرة من المصرف المركزي، أي طباعة النقد، وهو أسهل الطرق بالنسبة للدولة العاجزة مالياً والمتمادية في نفقاتها، ولكنه الأكثر كلفة نقدياً واجتماعياً، نظراً لتداعياته التضخمية.

 

ثالثاً، اللجوء للدين العام، أي في ما يتعلّق بلبنان إصدار سندات خزينة بالعملة الوطنية، والتي حتى لو اكتتب بها المصرف المركزي تكون أقل خطر تضخّم من سلفات الخزينة المباشرة، لأنّه يمكن للمصرف المركزي إعادة بيعها لامتصاص فائض السيولة وخطر التضخم عند الحاجة...

 

رابعاً، الدين الخارجي، أي في ما يتعلّق بدين لبنان بالعملات الأجنبية بإصدار اليوروبوند (فيما عالمياً يُعتبر الدين الخارجي فقط مجموع السندات المكتتبة من غير المقيمين)، وعادة ما يكون هذا الدين مغرياً للدول النامية، كونه بأقل فائدة من سنداتها بالعملة الوطنية (نظراً لفارق المخاطرة)، ولكنّ خطره أنّه لا يمكن للدولة إن كانت عاجزة عن التسديد عند الاستحقاق أن تلجأ إلى المصرف المركزي لطباعة العملة لتغطيتها وتحمّل التضخم بعدها، لأنّه لا يمكن للمصرف المركزي المحلي طباعة العملات الأجنبية.

 

أما المصرف المركزي، فهدفه الرئيسي الحفاظ على الاستقرار النقدي والقيمة الشرائية للعملة الوطنية. من هنا أهمية المحافظة على استقلاليته، تحديداً من وقع المالية العامة وحاجة تمويل الدولة ولجوئها الى المصرف المركزي لسد تراكمات عجزها المالي والانغماس في ديونها وسنداتها.

 

ومن أبرز أدوات السياسة النقدية: اعادة تمويل المصارف، الحسم واعادة الحسم، وضع سقوف للتسليفات، بيع وشراء السندات وفق حاجة إمتصاص السيولة، التدخّل في سوق القطع حفاظاً على المستوى المناسب لسعر الصرف وفق خيارات سياسة القطع، واعتماد الاحتياطي الإلزامي لضبط السيولة والحفاظ على نسبة معينة من الودائع غير قابلة للاستخدام من قِبل المصارف، وهي عادة تكون في حساب من دون مردود لدى المصرف المركزي.

وفي هذا الإطار، تنص المادة 76 من قانون النقد والتسليف، على أنّه "يخوّل المصرف المركزي، الإبقاء على الانسجام بين السيولة المصرفية وحجم التسليف، وبين مهمته العامة المنصوص عنها بالمادة 70، صلاحية اتخاذ جميع التدابير التي يراها ملائمة، وخصوصاً التدابير التالية التي يمكنه اتخاذها منفردة او مجتمعة، او مع التدابير المنصوص عنها في الباب الثالث من هذا القانون:

أ‌- تحديد وتعديل معدلات الحسم وحدوده القصوى، وكذلك معدلات الاعتمادات الاخرى المجاز له منحها للمصارف وللمؤسسات المالية وحدودها القصوى.

ب‌- اللجوء للعمليات المشار اليها في المادة 75.

ج- شراء وبيع السندات في السوق الحرة وفقاً للمواد 106 و107 و108.

د- إلزام المصارف بأن تودع لديه أموالاً (احتياطي ادنى) حتى نسبة معينة من التزاماتها الناجمة عن الودائع والاموال المستقرضة التي يحدّدها "المصرف"، باستثناء التزاماتها من النوع ذاته تجاه مصارف اخرى ملزمة أيضاً بإيداع الاموال الاحتياطية هذه.

 

ويمكن للمصرف المركزي ان يعتبر، اذا رأى ذلك مناسباً، توظيفات المصارف في سندات حكومية او سندات مصدرة بكفالة الحكومة، كجزء من الاحتياطي، حتى نسبة معينة يعود له امر تحديدها.

 

ولا يمكن المصرف المركزي ان يحدّد نسبة الاحتياط الادنى بأكثر من 25 بالمئة من الالتزامات تحت الطلب، وبأكثر من 15 بالمئة من الالتزامات لأجل معين.

 

وللمصرف المركزي أن يفرض نسباً مختلفة على فئات مختلفة من التزامات المصارف ضمن الحدود المذكورة في الفقرة السابقة.

 

وله كذلك في الحالات الاستثنائية، ان يفرض نسباً حدّية خاصة، دون التقيّد بالحدود الآنفة الذكر، على ما يزيد من هذه الالتزامات او من أي فئات منها عن حدّ معيّن او على الزيادة المحققة في هذه الالتزامات او في أي فئات منها بعد تاريخ معين.

هـ- الزام المصارف بأن تودع لديه اموالاً (احتياطا ادنى خاصاً) حتى نسبة معينة من الموجودات التي يحدّدها المصرف.

و- ان يقبل، في ضوء الحالة النقدية العامة، ودائع لقاء فوائد يحدّدها المصرف".

إذاً، في لبنان معدل الاحتياطي الالزامي على الودائع تحت الطلب هو 25%، والاحتياطي الالزامي على الودائع لأجل بالليرة أو العملات الأجنبية هو 15%. الاحتياطي الالزامي بالليرة اللبنانية يوضع في مصرف لبنان من دون فوائد. وقد عمد المصرف المركزي الى تشجيع المصارف على استخدامها لتأمين تسليفات قروض سكنية وللقطاعات، بفوائد مخفّضة، من منطلق المسؤولية الاجتماعية والمساهمة في السياسة الإسكانية التي يفترض أن تكون أساساً من مسؤولية الدولة ضمن سياسة إسكانية شاملة "دعماً" لتأمين حق المسكن بأقل الكلفة وأسهل الشروط للشباب بشكل خاص. ولكن في غياب قرار الموازنات على مدى 12 عاماً، كان هذا التدّخل الذي سمح للآلاف من العائلات بشراء المساكن بالليرة اللبنانية بفوائد مخفّضة.

 

إذاً "الدعم" يكون من موازنات الدولة وفي إطار سياسة الرعاية والتدخّل الاجتماعي، وليس من المصرف المركزي واحتياطاته التي هي جزء لا يتجزأ من ودائع زبائن المصارف، كأدة معتمدة للتأمين على حدّ أدنى من حقوق المودعين، ومنع المصارف من التصرّف أقلّه بهذه الاحتياطات! ولا سيما الاحتياطي بالعملات الأجنبية الذي لا يملك المصرف المركزي إمكانية تأمين بدائل عنه وطباعة عملته لأصحابه أي المودعين. أما وقد تمّ توجيه معظم توظيفات المصارف بالعملات الأجنبية (التي كانت في بداية الأزمة حوالى 120 مليار دولار أميركي ولم تعد تتعدّى الـ 110 مليارات دولار أميركي) نحو تمويل القطاع العام، من خلال الاكتتاب بسندات اليوروبوند والتوظيف لدى المصرف المركزي بما يفوق الاحتياطي الالزامي (الذي يحظى أيضاً بفوائد في المصرف المركزي) بكثير، عبر شراء شهادات الإيداع بالعملات الأجنبية، فمن الجدير الاشارة الى أنّ مجمل التدخّل الذي كان يجري لضبط سعر الدولار/الليرة اللبنانية في السنوات الماضية بحدود 1507.5، ومجمل التمويل للاستيراد، وطبعاً السلفات بالعملات الأجنبية لمؤسسة كهرباء لبنان التي لامست الـ45 مليار دولار أميركي، كانت طبعاً بفضل كل هذه الدولارات الموظّفة لدى المصرف المركزي، وهي أساس الهوة بالعملات الأجنبية التي رُصدت لديه.

 

وبالتالي، من الضروري معرفة أنّ كل دولار كان يُصرف لم يكن من "دعم" الدولة بل من دولارات المودعين الموظّفة لدى المصرف المركزي، على أمل أن يكون تمّ الحفاظ على ما تبقّى أقله من إحتياطي الزامي، الذي لا يمكن التفكير بإمكانية إستخدامه سوى بوجهة واحدة، هي إعادته للمودعين- لو جزئياً ولو تدريجياً- لتأمين صموده بالحدّ الأدنى، الذي يفترض أن يكون محفوظاً أساساً لهم لهذه الغاية، خصوصاً مع الاستعدادات لموجة التضخم غير المسبوقة المتوقّعة، بعد توقف المصرف المركزي عن تزويد الأسواق بدولارات المصارف الموظّفة لديه، لتأمين الاستيراد للمنتجات الأساسية وفق سعر صرف الـ1500 ليرة، الذي لا يزال معتمداً للأدوية والقمح والمحروقات، بعد نفاد معظم الدولارات التي كانت تشكّل صمام أمان لسعر الليرة، والتمسّك بربطه بالدولار طيلة 22 عاماً، أي منذ قرار تحديد معدله عام 1997 بحدود 1507.5.

 

لقد موّل القطاع المصرفي ومصرف لبنان لسنوات الدولة والاقتصاد اللبناني، حتى في أدق الظروف وأكثرها صعوبة، وعمل بما كان لديه من صدقية محلية ودولية على استقطاب مدخرات اللبنانيين المقيمين والمغتربين ومدخرات المتمولين العرب، وأعاد ضخّها في السوق اللبنانية، إما تمويلاً للقطاعين العام والخاص، لا سيما القطاع العقاري، وإما دعماً لاحتياطي القطع الأجنبي لدى المصرف المركزي.

 

صحيح انّ القطاع المصرفي لم يكن محايداً في إنجاز المكتسبات التي حقّقها إنعقــاد مؤتمر باريس 2 ، بل تميز بلعب دور اساسي وحيوي في آلية تخفيض خدمة الدين العام، وذلك إما بطريقة مباشرة عبر الاكتتاب بسندات خزينة بمبلغ يقارب 4 مليارات دولار بفائدة صفر في المئة، وهو مبلغ فاق إجمالي مساهمات البلدان الصديقة والشقيقة معاً، وإما بطريقة غير مباشرة، عبر الإسهام في خفض معدلات الفوائد بشكل ملموس في الاسواق، وبالاخص على سندات الخزينة اللبنانية.

 

لكن "الهندسات المالية" التي أخرّت انفجار الأزمة بعض الوقت، كان من تداعياتها إرتفاع حاد بمعدّلات الفوائد لاجتذاب الرساميل بالدولار، ايرادات كبيرة للقطاع المصرفي والمكتتبين، تخفيض خدمة الدين للدولة، كون الفائدة على اليوروبوند أقل منها على سندات الخزينة بالليرة اللبنانية. إلّا أنّها شكّلت في الوقت نفسه، مخاطرة، أدّت إلى تدهور جميع المؤسسات، من مالية عامة ومصرف مركزي ومصارف تجارية، وانعكست في النهاية على المودعين.

 

اليوم، سبل التمويل للقطاع العام استُنفدت، لا إمكانية لزيادات ضريبية تحسّن الايرادات في ظل إقتصاد "مخنوق"، ولا إمكانية إستدانة جديدة بعد إعلان تعثّر السداد، وخصوصاً في ظل التوقّف عن التفاوض مع الدائنين، والدولة مستمرة باللجوء الى المصرف المركزي لتلبية حاجاتها التمويلية بطباعة النقد وزيادة السيولة التي تُترجم بزيادة التضخم في غياب أي إصلاحات، وحتى السياسات النقدية غير التقليدية استُنفدت واستُنفدت معها معظم دولارات المودعين الموظّفة لديه عبر المصارف. فهل يعود لأصحاب الودائع أقلّه الاحتياطي الإلزامي المعلن أنّه لا يزال متوفراً؟ وهل تسعى الدولة لمخارج تمويل تتحمّل فيها للمرة الأولى "دعماً" فعلياً من قبلها وعلى مسؤوليتها؟ 

samedi 1 mai 2021

لبنان... الترجمة الإقتصادية للمخاطر السياسية

 لبنان... الترجمة الإقتصادية للمخاطر السياسية

https://www.aljoumhouria.com/ar/news/590930/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%AC%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%A7%D8%B7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9?utm_source=editor&utm_medium=web&utm_campaign=listnews

جريدة الجمهورية
Tuesday, 20-Apr-2021 06:29

الإقتصاد ليس على جزيرة نائية ولا يمكن قراءة تطوّر مؤشراته علمياً بمعزل عن مؤثرات السياسة خصوصاً وسط الاستحقاقات الجذرية التي شهدتها السنوات الأخيرة في لبنان والمنطقة... فالمعلوم أنّ الاستقرار السياسي والإصلاح الشامل أساس مناخ الإستقرار واجتذاب الرساميل والاستثمارات، في حين أنّ عوامل المخاطرة أساس في زيادة مستوى الفوائد وهروب الرساميل وضعف ميزان المدفوعات وتدني التصنيف السيادي الذي يعكس قدرة البلاد على سداد ديونها بالعملات الأجنبية وزيادة الضغوط على سعر الصرف. فكيف يمكن علمياً تفسير عوامل المخاطرة وانعكاساتها الإقتصادية؟ وأي ترجمة كان لها في الوضع اللبناني تحديداً؟

غالباً ما يتم استيعاب مؤشرات مخاطر الدولة في الفارق بين عائد السندات السيادية لبلدٍ ما وعائد سندات الخزانة الأميركية، كأن الفارق يعكس السؤال الآتي: ما المكافأة الإضافية المطلوبة للاستثمار في ديون بلد ما؟ تعكس مخاطر التخلف عن السداد أو مخاطر الائتمان احتمال أن الجهة المصدرة لسندات الدين في حالة الدولة المديونة، قد لا تكون قادرة على الوفاء بالتزاماتها كلياً وفي الوقت المحدد للاستحقاق، خصوصاً بالنسبة الى إصدارات سنداتها بالعملات الأجنبية كونها أخطر من السندات بالعملة الوطنية التي يمكن للدولة في أقصى الأحوال اللجوء الى المصرف المركزي لطباعة عملة لسدادها حتى لو تكبّدت البلاد كلفة التضخّم... أما السندات بالعملات الأجنبية فلا تملك الدولة المديونة «ترف» التخلّص منها باللجوء الى مصرفها المركزي الذي لا يمكنه طباعة عملات أجنبية غير عملته الوطنية.

 

أما لجوء بلدان مثل لبنان الى الاستدانة بالعملات الأجنبية على رغم من تلك المخاطر فمردّه الى أسباب عدة تم تلخيصها في الأدبيات الإقتصادية وفق راينهاردت وروغوف وسافاستانو [2003] أولاً، بصعوبة تسويق سندات الدين بالعملة الوطنية خصوصاً للبلدان الناشئة التي تعاني من عجز مالي وتراكم ديون وحاجات تمويلية متواصلة، وبالتالي تلجأ إلى إصدار سندات اليوروبوندز للحصول على تمويل على الصعيد الدولي كون السندات بالعملات الأجنبية يمكن إدراجها في الأسواق الخارجية. ثانياً، كون إصدار سندات اليوروبوندز عمومًا يكون غالبا بمعدلات فائدة أقل من أسعار الفائدة على سندات الخزينة بالعملة الوطنية (نظرًا للاختلاف في علاوة المخاطرة، مخاطر العملة أكبر من مخاطر البلد).

 

من هنا، تلجأ الدولة الى إصدار اليوربوندز وزيادة حصة الدين بالعملات الأجنبية من مجمل دينها بغية خفض خدمة الديون المتوجّبة عليها.. وهذا تحديداً ما حصل في لبنان وكان عملياً من أبرز نتائج الهندسات المالية التي استبدلت قسماً من الديون بالليرة اللبنانية بأخرى بالعملات الأجنبية حيث لعب المصرف المركزي دور الوسيط لتسويقها خصوصا مع المصارف اللبنانية، وهذا ما يفسّر استقطابها دولارات عام 2016 أوحت بفائض في ميزان المدفوعات الذي كان يشهد تراكم عجوزات دراماتيكي منذ العام 2011 تحديداً.

 

في الوقت نفسه، كلما زاد خطر عدم السداد في نظر وكالات التصنيف الدولية (فيتش، موديز، ستاندرد آند بورز) كلما تدهور التصنيف السيادي الممنوح لسندات اليوروبوندز اللبنانية، الأمر الذي يتطلب زيادة أخرى في أسعار الفائدة لإقناع الدائنين المستقبليين بالاكتتاب في الإصدارات الجديدة، ما يساهم في نمط يعرفه بونزي بالتوازي مع الحفاظ على تأثير تصاعد الدولرة وتراكم عجز ميزان المدفوعات في لبنان منذ اندلاع الأزمة في سوريا عام 2011، ما أدى إلى صافي التدفق السنوي للعملة الأجنبية من الدولة، مما يحدّ من مساحة مناورة مصرف لبنان.

 

إن مخاطر التخلف عن السداد هذه ليست المكون الوحيد لمخاطر البلد، لكنها المكون الرئيسي. تساعد المخاطر الأخرى، مثل مخاطر السوق أو مخاطر السيولة أو حتى المخاطر المالية أو السياسية، في تحديد مستوى المخاطر في بلد ما. ويعد مفهوم مخاطر الدولة أمراً بالغ الأهمية لأنه يعكس ثقة المستثمرين في الدولة. وإن مستوى هذه المخاطر يحد من تدفقات رأس المال إلى البلاد.

 

ما هي محددات مخاطر البلد؟

 

وفقاً لإدواردز (1984)، يرتبط مستوى الفارق إيجابياً بنسب الدين/ الناتج القومي الإجمالي وخدمة الدين، وسلبياً بالاحتياطيات الأجنبية / نسب الناتج القومي الإجمالي والميل إلى الاستثمار. وبالنسبة الى كلين وبارنز (1997) يعتبر نمو الناتج المحلي الإجمالي ونمو الصادرات من المحددات المهمة.

 

وقد يؤدي تقليص الموارد العامة إلى زيادة مخاطر التخلف عن سداد أدوات الدين الحكومية، وقد يؤدي إجبار المستثمر على الاحتفاظ بالأصول بالعملة الأجنبية فقط إلى زيادة علاوة المخاطرة على هذه الأدوات. كما يمكن أن يؤدي نظام سعر الصرف الثابت للغاية إلى مزيد من الجمود (الأجور والأسعار) ما قد يؤدي إلى تقلبات أكبر في الإنتاج، وبالتالي إلى علاوة مخاطر أكبر على أصول الدفع.

 

والترجمة العملية لذلك في لبنان تظهر أنه كان قادراً على تحسين مؤشراته الاقتصادية تدريجاً قبل عام 2011 تاريخ اندلاع الأزمة السورية وتدهور الاستقرار السياسي الداخلي، وقد تمكّن فعلياً من خفض نسبة دينه العام/ الناتج المحلي من 180 % عام 2006 إلى 138 % عام 2011 فيما سجّل معدل النمو الاقتصادي نحو 8 % لأربع سنوات متتالية حتى العام 2010 قبل أن يهبط دراماتيكياً الى ما بين 1 الى 2 % في فترة 2011-2017... وازدادت بنحو حاد ديون الدولة اللبنانية ونفقاتها ومعظمها نفقات جارية يسيطر عليها عبء رواتب القطاع العام حيث ازداد التوظيف بدل الترشيد والإصلاح فضلاً عن عجوزات قطاع الكهرباء المتواصلة والتي تستنزف سلفات الخزينة، وكذلك الفوائد على الدين العام، فيما سَعت دولرة جزء من الدين الى تخفيف خدمته.

 

منذ اندلاع النزاع والأزمة في سوريا البلد الحدودي الرئيسي للبنان وتدفق أكثر من 1.5 مليون لاجئ سوري الى أراضيه، أو ما يقرب من 40 % من سكانها اللبنانيين، شهد لبنان انخفاضاً في معدل نموه الى 1 % في نهاية عام 2019 وزيادة في معدل الدين العام/ الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 176 %، وكذلك تدهور تصنيفه السيادي لدى وكالات التصنيف الدولية وعجزاً ملحوظاً في ميزان المدفوعات، وبالتالي شهد انخفاضاً مستمراً في احتياطاته من العملات الأجنبية، والتي تعتبر ضرورية للدفاع عن ثبات سعر الصرف. وتوقّع حاملو سندات اليوروبوندز الإعلان عن تخلف الدولة اللبنانية عن سداد الديون الإجمالية بالعملات الأجنبية والتي تبلغ نحو 30 مليار دولار، نصفها مملوكة من مصارف تجارية لبنانية (نحو 15 مليار دولار أميركي) و5.7 مليارات دولار في حوزة مصرف لبنان.

 

واضطر مصرف لبنان الى الاكتتاب في الوقت تفسه في غالبية سندات الخزينة بأسعار فائدة منخفضة لتقليل ثقل الدين العام الذي كانت حصته بالعملات الأجنبية تتزايد في استمرار مع إصدارات سندات اليوروبوندز، التي سعى إلى إعادة بيعها الى المصارف التجارية من خلال «الهندسات المالية» وإلى تجديد احتياطياته من العملات الأجنبية باستمرار للحفاظ على هامشها للتدخل في سوق الصرف الأجنبي واستمرار سعر الصرف الثابت الذي أثبت أنه الاستراتيجية الأكثر فاعلية للتحكم في استقرار القوة الشرائية. الجمود في الدولرة حتى بعد أكثر من 22 عاماً من استقرار سعر الصرف. ولقد أدت مشاركة القطاع المصرفي في سياساته إلى تضخيم مستوى انكشافه للقطاع العام من خلال اكتتابه بسندات الخزينة بالليرة اللبنانية والدولار وشراء شهادات الودائع من مصرف لبنان بالدولار المقدرة لدى بلومبيرغ بنحو 52.2 مليار دولار الذي يجب إضافته إلى نحو 17.5 مليار دولار من الاحتياطيات المطلوبة على ودائع العملات الأجنبية، أو نحو 70 مليار دولار لإجمالي الودائع بالعملات الأجنبية والتي كانت تبلغ نحو 120 مليار دولار مع اندلاع الأزمة، علماً أنه قبل اتخاذ إجراءات تقييدية على حركة رؤوس الأموال، يعاني لبنان منذ 2011 عجزاً في ميزان المدفوعات بلغ في نهاية عام 2019 نحو 4351 مليون دولار، بينما بلغ العجز التراكمي منذ عام 2011 نحو 14,515,9 مليون دولار (باستثناء عام 2016، حيث أصبح الرصيد فائضاً بنحو استثنائي بسبب «الهندسات المالية» لمصرف لبنان التي جعلت المصارف تستقطب رساميلاً بالدولار من الخارج للمشاركة فيها...).

 

في الوقت نفسه، كلما ازدادت مخاطر سداد سندات اليوروبوندز في نظر وكالات التصنيف الدولية كلما تدهور التصنيف السيادي الممنوح لسندات اليوروبوندز اللبنانية، الأمر الذي يتطلب زيادة أخرى في أسعار الفائدة لإقناع الدائنين المستقبليين بالاكتتاب في الإصدارات الجديدة، ما يساهم في نمط عرفه Ponzi بالتوازي مع الحفاظ على تأثير ثبات الثورة بذاكرة الأزمة السابقة في الثمانينات والفارق المنخفض في العائد بين الليرة اللبنانية والولايات المتحدة، بالإضافة إلى عجز تراكمي في ميزان مدفوعات لبنان منذ اندلاع الأزمة في سوريا عام 2011، ما نتج عنه تدفق صاف للعملات الأجنبية سنوياً من لبنان الى الخارج، وحَدّ من هامش تدخّل المصرف المركزي في السيطرة على استقرار الصرف.

 

يبقى القول انه إذا كانت عوامل المخاطرة وضعف الاستقرار السياسي أساسية في الضغوط على مجمل المؤشرات الاقتصادية، فمن غير الواقعي التطلّع الى مخارج إقتصادية بمعزل عنها. وقد برهنت تجارب السنوات الماضية أنّ كل المعالجات الظرفية ما كانت سوى إدارة أزمة لا بل مجرد تأخير لانفجارها، أمّا المعالجة الحقيقية فتحتاج التصويب الى مكامن الخلل لإيجاد المفاتيح المناسبة لحلول مستدامة.