lundi 16 août 2021

10 نقاط تختصر الإشكالية الإقتصادية الحالية

 10 نقاط تختصر الإشكالية الإقتصادية الحالية 

د. سهام رزق الله (أستاذة مُحاضرة في كلية العلوم الاقتصادية لجامعة القديس يوسف)

 

Saturday, 14-Aug-2021

https://www.aljoumhouria.com/ar/news/609300/10-%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%B7-%D8%AA%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B4%D9%83%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9?utm_source=editor&utm_medium=web&utm_campaign=listnews

 وسط التجاذب وأسلوب «التفاجؤ» بالتعاطي مع مفاعيل الأزمة الاقتصادية واستنزاف احتياطي مصرف لبنان والإضطرار الى رفع الدعم بعد نفاده، لا بدّ من وضع النقاط على الحروف... العناوين كثيرة، ولكل منها ملفات دسمة يطول الغوص في تفاصيلها، لكن 10 نقاط علمية تختصر صلب معانيها وتختزل الإشكالية الحالية.. ما هي؟

 

1 - الدعم يكون من الدولة للناس وليس من اموال «كل الناس» ليستفيد منه «بعض الناس» بشكل استنسابي.

2 - السياسة الاسكانية أيضاً تكون من موازنة الدولة وليس من استراتيجية المسؤولية الاجتماعية للمصرف المركزي على أهميتها، التي كانت عبر تحرير الاحتياطي الالزامي أو تقديم تسهيلات بفوائد مخفضة، لأنّ لبنان بقي ببساطة طوال 12 عاماً من دون موازنة، تتحمّل فيها الدولة مسؤوليتها.

3 - عندما استأنف لبنان إقرار الموازنات بعد غياب دام 12عاماً، تابع إعداد الموازنة السنوية بأرقام تقديرية بلا قطع حساب للأرقام الفعلية!

4 - ليس الاحتياطي الالزامي وحده من مال الناس، انما كل توظيفات المصارف هي أموال الناس المودعين، إن كانت موظفة بتمويل الدين العام (سندات خزينة ويوروبوند) أو موظفة في المصرف المركزي (شهادات إيداع وتوظيفات حرّة وإلزامية).. يعني كل تعثر عن تسديد اي منها هو اعتداء على أموال الناس.

5 - سلسلة الرتب والرواتب وزيادة الضرائب كان يفترض أن تكون بأرقام مدروسة وتوقعات صحيحة بعد ترشيد الإنفاق، وليس بعد زيادة التوظيف الفائض أساساً ونتائج معاكسة بالمالية العامة، حيث زاد العجز بدل ان ينقص من منطلق trop d›impôt tue l›impôt

6 - الجميع يعرف أهمية الكهرباء الاستراتيجية للناس والاقتصاد. والجميع يعرف انّها كلّفت بين سلفات خزينة بالدولار وتراكم فوائد عليها نحو 45 مليار دولار، اي نصف الدين العام، ولا تمّت إعادة تسديد سلفات الدولار ولا تمّ تأمين الكهرباء بنحو مستدام...

7 - الجميع بات يعلن أنّ سعر صرف الدولار/الليرة على اساس 1507 كان اصطناعياً، خصوصاً بعد تدهور ميزان المدفوعات منذ عام 2011، وانّه كان ضرورياً إعادة النظر في السياسة النقدية .. ولكن منذ بدء الأزمة الى اليوم، اصبح الجميع متمسكاً بدعم اكبر عدد من المنتجات، عبر تأمين استيرادها بسعر 1500 ليرة للدولار، حتى استنزاف كل احتياطات الدولار في المصرف المركزي.

8 - مفهوم استقلالية المصرف المركزي انوجد تحديداً لحماية السياسة النقدية، من تمويل عجز المالية العامة وانغماس الجهاز المصرفي بتمويل الدولة، لإحداث أثر إيجابي اصطناعي، قبل الفترات الانتخابية وتأجيل تداعيات التضخم الى ما بعدها، كما حصل ويحصل في لبنان incohérence temporelle et biais inflationniste.

9 - من المعروف علمياً، أنّ الاستقرار السياسي هو شرط أساسي، وليس كافياً للاستقرار الاقتصادي، لأنّ المال والاستثمار «جبان» وسريع الهروب أمام الأزمات، لا سيما نوع الاستثمار الذي يعتمد عليه لبنان لاجتذاب العملات الأجنبية، أي الخدمات والسياحة والتوظيفات المالية والمصرفية...

10 - تدهور ميزان المدفوعات منذ العام 2011 مع بدء الأزمة في سوريا واهتزاز مناخ الاستقرار السياسي في لبنان، ويُترجم بتحوّل رصيد ميزان المدفوعات من وضع الفائض الى تراكم العجوزات، لأنّه يعتمد على فائض ميزان الرساميل لتغطية عجز الميزان التجاري (فارق التصدير والاستيراد) .

 منذ العام 2011 لم يعد يُسجّل أي فائض إلاّ استثنائياً بين 2016-2017 بفعل «الهندسات المالية» لاجتذاب العملات الأجنبية وتأجيل انفجار الأزمة، وليس بفعل أي تحسّن في التوظيفات والاستثمارات...

 ومن الواضح والمعروف أيضاً، أنّ وكالات التصنيف الدولية «فيتش»، «موديز»و»ستاندر أند بورز».. تعتمد «الاستقرار السياسي» كأحد أبرز العوامل المؤثرة في «تثقيل» تصنيفها السيادي لسندات أي بلد، أي قدرته على الإيفاء بتسديد التزاماته بالعملات الأجنبية، لأنّ تراجع الاستقرار مقدّمة الى افتقاد الثقة والمناخ الاستثماري، وبالتالي اضطرار البلد المعني الى رفع معدلات الفوائد على سنداته لإقناع المستثمرين بالاستمرار في تمويله (وهو ما حصل تماماً في لبنان وبالفترة المذكورة والموثّقة في تقارير هذه المؤسسات) لتغطية عامل المخاطرة، مما ضغط بدوره على سوق الصرف والاستقرار النقدي..

 هذه النقاط تستند طبعاً الى أرقام وتقارير من مختلف الهيئات الرسمية والمؤسسات الدولية، وهي ليست سراً.. انما السرّ يكمن في طريقة التعامل باستخفاف معها من قِبل من هم في سدّة المسؤولية، ويفترض أن يكونوا مؤتمنين على استباق الأزمات وإدارة الملفات وتقديم الحلول، قبل أن تحصل المشكلات، الى الشعب ويشتكي منها.. وليس انتظار انفجار الأزمة، ليرفعوا هم أنفسهم الشكاوى الى الشعب من دون تحمّل أي مسؤولية تجاهه...

 في النتيجة، إنّ تصحيح الخلل الاقتصادي يبدأ بحسن قراءة خلفياته الاقتصادية وغير الاقتصادية.

 

مسار وتركيبة الدين العام في لبنان: دروس من الماضي.. لخيارات المستقبل

 مسار وتركيبة الدين العام في لبنان: دروس من الماضي.. لخيارات المستقبل

Wednesday, 04-Aug-2021

 https://www.aljoumhouria.com/ar/news/607668/%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%AF%D8%B1%D9%88%D8%B3-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B6%D9%8A-%D9%84%D8%AE%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84?utm_source=editor&utm_medium=web&utm_campaign=listnews

 منذ حصول لبنان على استقلاله عام 1943، إقتصر دور الدولة اللبنانية بشكل أساس على ضمان الأمن الداخلي والخارجي، والعدالة، وتنفيذ مشاريع الأشغال العامة، والتنمية، بما يعكس محدودية دور الدولة وحيادها في النشاط الاقتصادي والاجتماعي. وقد انعكست هذه الروحية في المالية العامة على مبدأ «دولة محايدة ومالية عامة محايدة»، وتترجمت فوائض في المالية العامة، الى أن بدأ يتزايد دور القطاع العام في الإقتصاد في الستينات، ثم اندلعت حرب لبنان 1975-1990 وتلتها فترة إعادة الإعمار.. بماذا اتسمت خيارات المالية العامة في لبنان ما قبل مرحلة اعادة الاعمار في التسعينات؟ أي دروس يمكن استخلاصها من الماضي؟ لأي خيارات في المستقبل؟

في الواقع، لقد اعتُبر عام 1962 عام التحول من حيث المالية العامة في لبنان: فالموازنة العامة، التي كانت تقليدياً تسجّل فوائض، أصبحت تعاني من عجز للمرة الاولى، وبلغ معدل العجز 13.2% من النفقات. منذ عام 1962 حتى عام 1975، عندما بدأت الحرب في لبنان، كانت جميع الميزانيات تعاني من عجز، باستثناء موازنات الأعوام 1971 و 1972 و 1974 عشية اندلاع حرب 1975.

 منذ عام 1975 وحتى اليوم، أصبحت الموازنات اللبنانية المتتالية تعاني من عجز مالي، ليس بسبب الدور المتنامي للقطاع العام في التنمية الاقتصادية، بل بسبب الحرب ثم بسبب فقدان السيطرة على الإنفاق والإيرادات وغياب الإصلاحات الاقتصادية في فترة ما بعد الحرب.

 مع تفاقم الحرب عام 1978، أصبح من الصعب الحصول على أرقام دقيقة وموثوقة تتعلق بالوضع الاقتصادي العام. وقد توقفت الدولة اللبنانية عن نشر إحصاءات الحسابات القومية، بسبب الأحداث وتوقف عمل العديد من الهيئات والدوائر العامة.

 ولوحظ أنّ الإنفاق العام تميز خلال سنوات الحرب بالفوضى وانعدام السيطرة المركزية. خلال تلك الفترة، لم تكن الدولة تعرف بشكل دقيق لا مقدار نفقاتها ولا ناتج إيصالاتها، ولهذا توقفت عن إغلاق حسابات الموازنة من 1979 إلى 1993.

 رغم تراجع وضياع السيطرة على الإيرادات وصعوبة تحصيل الضرائب، لم تبذل الدولة جهوداً كبيرة للحدّ من الإنفاق، إلّا خلال بعض سنوات الحرب الأخيرة، بفضل تشدّد مصرف لبنان حينها في تمويل الخزينة. وقد أدى التطور غير المتكافئ والمتناقض بين الإيرادات والنفقات إلى إطلاق عملية تزايد الاختلال في المالية العامة.

 بين عامي 1982 و 1985، زادت النفقات بنسبة 178%، فيما زادت الإيرادات بنسبة 65% فقط. وبين عامي 1986 و 1988، ارتفعت النفقات بنسبة 702%، كما ارتفعت الإيرادات بنسبة 250%. وبين عامي 1988 و 1990، أي خلال العامين الأخيرين من الحرب، كانت الزيادة في الإنفاق تعادل تقريباً ثلث الزيادة في الإيرادات، من دون تقليص عجز الموازنة.

 وتشير تقديرات وزارة المالية إلى استمرار عجز الموازنة خلال المرحلة الجديدة من الحرب، حيث بلغ نحو 28.5% من الإنفاق عام 1977، و 27.8% من الإنفاق عام 1978، و 38% من الإنفاق عام 1981.

 تشير تقارير صندوق النقد الدولي إلى أنّ النمو الذي شهده لبنان بين 1979 و 1980، هو بسبب دخول تدفقات رأس المال أو «المال السياسي» إلى لبنان من خلال دعم دول أجنبية. وقد بدأ النمو يتراجع منذ النصف الثاني من عام 1981 مع تدهور الوضع الأمني. منذ تلك الفترة، فقدت الدولة السيطرة الكاملة على إيراداتها ونفقاتها، واستند تحليل حالة المالية العامة الى التقديرات والأرقام غير الرسمية.

 توقف نشر حسابات الموازنة على النحو الذي أقرّه الدستور وقانون الحسابات العامة استمر من العام 1979 حتى 1993. إذ اضطرت الدولة إلى اللجوء إلى الديون الخارجية والداخلية لتمويل تطوير المشاريع التي توقف تنفيذها، وبلغ الإنفاق الاستثماري 24% من إجمالي الإنفاق عام 1981، وخصّصت الدولة 22.2% من موازنة 1982 للمشاريع الاستثمارية.

 وهكذا، من أجل تمويل عجز الميزانية المتزايد في مناخ من التوترات وعدم الاستقرار السياسي والعسكري، أصبح العرض النقدي منذ عام 1982 يتجاوز بشكل واضح الاحتياجات الاقتصادية للبلاد. وبدأ العملاء الاقتصاديون في «الهروب» من الليرة اللبنانية نحو العملات الأجنبية، لا سيما منها الدولار الأميركي؛ مما عزز عملية التضخم وانخفاض قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية. ومن هنا دخل الاقتصاد اللبناني في حلقة مفرغة، حيث ضاعف التضخم عجز الموازنة، وتضاعفت طباعة النقد، وفُقدت الثقة بالعملة الوطنية، وتسارعت دولرة الإقتصاد اللبناني.

 وبلغت نفقات الميزانية بين عامي 1982 و 1985 نحو 60 مليار ليرة لبنانية، بينما لم تتجاوز إيرادات الموازنة 13.8 مليار ليرة لبنانية. وبذلك، بلغ العجز التراكمي خلال تلك الفترة 77% من إجمالي نفقات الميزانية. في الوقت نفسه، تضاعف الدين العام الداخلي 4 مرات خلال الفترة نفسها، من 14 مليار ليرة لبنانية في نهاية عام 1982 إلى حوالى 54.5 ملياراً في عام 1985.

 بعد عام 1985، وجد لبنان نفسه بلا ميزانية، ولم تعد الحكومة ترسل مشروع الموازنة إلى مجلس النواب على النحو المنصوص عليه في الدستور. في الوقت نفسه، واصلت الدولة الإنفاق على أساس الاعتمادات المنصوص عليها في الموازنة الأخيرة التي صادق عليها مجلس النواب، أي موازنة عام 1985. غير أنّ التضخم والانخفاض السريع في قيمة الليرة اللبنانية جعلا هذه الاعتمادات منصوصاً عليها في موازنة عام 1985، غير كافية لتغطية نفقات الدولة. ومنذ ذلك الحين، أقرّ البرلمان إمكانية التصويت على قوانين تسليفات إضافية لموازنة عام 1985، أو اللجوء إلى طلب سلفات خزينة.

 بين عامي 1986 و 1988، مرّ لبنان في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، وتراجعت قيمة العملة الوطنية أكثر، ووصل معدل التضخم إلى أرقام قياسية تخطّت عام 1987 معدل 487% ، وكان العام الأصعب على الاقتصاد اللبناني بأكمله، باستثناء القطاع الصناعي البحت الذي كان متقدّماً، ومع زيادة الصادرات بنسبة 47% لتصل إلى 70% من الإنتاج الصناعي. وأدّت الزيادة في الصادرات وانخفاض الواردات إلى تحسن وضع الميزان التجاري، حيث انخفض العجز التقليدي من 1.6 مليار دولار عام 1986 إلى 1.3 مليار دولار عام 1987. واستمرت الصادرات في الزيادة عام 1988 لتبلغ نسبة نمو 26%، مقارنة بعام 1987 و 42% مقارنة بعام 1986، على الرغم من تدهور الوضع الاقتصادي وخصوصاً الوضع النقدي. كان ميزان المدفوعات، الذي كان حتى ذلك الحين فائضاً، باستثناء عام 1976 الذي كان يعاني من العجز.

 في الوقت نفسه، استمر عجز الموازنة في الزيادة، ولا يزال يتمّ تمويله من خلال زيادة طباعة النقد، وتضخيم الدين العام الداخلي (بالعملة الوطنية). وارتفع عجز الموازنة بشكل مطرد من 82.2% من الإنفاق عام 1986 إلى 86% من الإنفاق عام 1987 و 92.2% من الإنفاق عام 1988.

 واضطرت الدولة، التي لم يكن لديها فعلياً ديون داخلية ومديونية خارجية منخفضة للغاية، إلى اللجوء إلى الاقتراض بكثافة، وفرضت على المصارف إلزامية الاكتتاب بسندات الخزينة على مواردها من الليرة اللبنانية. وبلغت سندات الخزينة لدى المصارف التجارية ما يعادل 2.9 مليار دولار عام 1982 مقابل 150 مليوناً عام 1977. وانخفض الدين العام الذي زاد من 54.45 مليار ليرة لبنانية عام 1985 إلى 521.5 مليار ليرة عام 1988، إلى ما يعادل 114 مليون دولار في عام 1987 بفعل تدهور الليرة اللبنانية.

 وأدّت خاتمة فترة الحرب في عامي 1989 و 1990 إلى تفاقم وضع المالية العامة بشكل حاد. فأدّى انخفاض الإيرادات الضريبية إلى اعتماد الخزينة العامة، بالإضافة إلى الديون، على أرباح مصرف لبنان التي يتمّ تحويلها إليه بموجب قانون النقد والتسليف. وبلغت حصة أرباح مصرف لبنان في تمويل الخزينة حوالى 62% من إيرادات الموازنة في عام 1989 و 38.5% من إيرادات الموازنة في عام 1990.

 استمرت خدمة الدين العام في السيطرة على الجزء الأكبر من الإنفاق الحكومي، حيث شكلت 30% من الإنفاق في عام 1989 و 26% من الإنفاق في عام 1990.

 انتهت فترة الحرب في لبنان في تشرين الأول 1990. وفي عام 1991، شهد لبنان تدفقاً لرؤوس الأموال من الخارج، مما ساعد في تحسين وضع ميزان المدفوعات الذي حقق فائضاً قدره 1.07 مليار دولار، بعد عجوزات عامي 1989 و 1990.

 وبعد غياب الموازنة لمدة 5 سنوات، اتسمت نهاية عام 1990 بإصدار الموازنة العامة. تحسن وضع المالية العامة نسبيًا، لكن استمرار العجز أدّى إلى نمو قوي في الدين العام الداخلي الذي زاد بنسبة 66% عام 1991 و 92% عام 1992. وتطور الدين العام الداخلي مقوّماً بالدولار من 3.7 مليارات دولار عام 1982 إلى 2.7 مليار عام 1992 (مع تدهور سعر صرف الليرة إزاء الدولار الأميركي)، وتراجع بذلك الدين العام الإجمالي (الذي يشمل الدين الداخلي بالليرة اللبنانية والدين الخارجي بالعملات الأجنبية) مقوماً بالدولار من 4 الى 3 مليارات دولار للفترة نفسها.

 كما أصدر مجلس النواب قانون رقم 42 /1986، يمنع الحكومة من التصرف باحتياطي مصرف لبنان من الذهب الموجود لديه أو لحسابه، أياً كانت طبيعة وماهية هذا التصرف مباشرة أو غير مباشرة...

 ويبقى القول، إنّه في نهاية العام 1992 كان مجموع الدين العام الثابت المتوجب على الخزينة اللبنانية يعادل نحو 3 مليارات دولار أميركي، منه 327.5 مليون دولار أميركي والباقي بالليرة اللبنانية.

 وباحتساب كلفة خدمة هذا الدين العام على أساس معدلات الفائدة السنوية المعتمدة لدى مصرف لبنان على مدى السنوات 1992 -2011 والمدفوعة من الخزينة اللبنانية، فإنّ تلك المبالغ المتوجبة في نهاية العام 1992، وبعد إضافة الفائدة المتجمعة على مدى كل سنة بين عامي 1992 و 2011 بلغت 30 ألف مليار ليرة لبنانية. كذلك ارتفع الدين بالدولار الأميركي بفعل تراكم الفوائد على رصيد الدين العام، ليصبح أكثر من ملياري دولار أميركي للفترة نفسها، فيما كان قطاع الكهرباء يراكم سلفات بالدولار الأميركي وفوائد عليها تخطّت 18 مليار دولار حتى العام 2011 مما رفع الدين بالدولار لأكثر من 21 مليار دولار. واستمرت الكهرباء بتسجيل عجز مالي سنوي بحوالى 2 مليار دولار وتتراكم عليها الفوائد ...

 علماً أنّه بين عام 2002 وعام 2008، اكتسبت الديون بالعملات الأجنبية زخماً بارزاً، عكس نجاح لبنان في الاستفادة من أسواق رأس المال الدولية، لا سيما مع مؤتمرات الدعم الدولية للبنان. فيما بدأ الإتجاه بدءاً من العام 2016 الى خفض خدمة الدين العام، من خلال استبدال تدريجي لجزء من الدين بالليرة الى دين بالدولار، بالاعتماد على الهندسات المالية لوزارة المال والمصرف المركزي والمصارف اللبنانية، وهي المموّل الرئيسي للدولة اللبنانية.

 والخلاصة، أنّ الدين العام في لبنان كان حتى مطلع التسعينات بمعظمه بالليرة اللبنانية، لكن تنامى الدين بالدولار بشكل أساسي مع تزايد سلفات الكهرباء وتراكم الفوائد عليها، وتشجّع جميع الأفرقاء المعنيين على زيادة حصة الدين بالدولار من خلال اليوروبوند، رغبة بتخفيض خدمة الدين العام، كون الفوائد على اليوروبوند أقل من فوائد سندات الخزينة بالليرة اللبنانية بسبب فرق مخاطر العملة، فضلاً عن هدف زيادة الاحتياطي بالعملات الأجنبية، دفاعاً عن خيار ربط الليرة بالدولار على أساس سعر صرف 1507.5، في ظل استمرار الدولرة بمعدلات مرتفعة وتدهور وضع ميزان المدفوعات تحديداً منذ العام 2011... الدروس للمستقبل تبدأ بمعالجة مكامن الخلل...

وسط فلتان الدولرة الجزئية: لبنان بين مطرقة «الليرنة» وسندان «الدولرة الشاملة»

 وسط فلتان الدولرة الجزئية: لبنان بين مطرقة «الليرنة» وسندان «الدولرة الشاملة»

https://www.aljoumhouria.com/ar/news/605239/%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D9%81%D9%84%D8%AA%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D9%8A%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D9%85%D8%B7%D8%B1%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D8%B1%D9%86%D8%A9-%D9%88%D8%B3%D9%86%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D9%85%D9%84%D8%A9?utm_source=editor&utm_medium=web&utm_campaign=listnews

Monday, 19-Jul-2021 

بعد 22 سنة من الدولرة الجزئية غير الرسمية ولكن المرتفعة حتى في ظل فترة تثبيت سعر الصرف بين الليرة اللبنانية والدولار الأميركي، وجد السوق اللبناني نفسه منذ العام 2019 وكأنه تحت صدمة وجود ما يعرف بعلم الاقتصاد بخطر فرق العملة وفلتان الدولرة غير المنضبطة طالما هي بالأساس وليدة خيار القطاع الخاص عفوياً بعد انهيار الليرة في الثمانينات. ومنذ انفجار الأزمة في تشرين الأول 2019 والدولرة الجزئية تتخبّط بين حالة الفلتان في تسعير الدولار والمطالبة بالتسعير على أساس سعر صرف متحرك عبر منصات تتغيّر أرقامها حتى أيام الآحاد والأعياد وبين مخاطر «لَيرنة» ما تبقى من توظيفات بالدولار ومحاذير دولرة السوق بشكل شامل... فما هي خصوصية الدولرة الجزئية في لبنان والتي عادت تتخطى 80.5 % من الودائع؟ وأي تحديات لليرة اللبنانية بين ضغوط فلتان الدولرة الجزئية ومخاطر الانتقال الى دولرة شاملة تفرض نفسها في التسعير والتداول ومجمل تعاملات الأسواق؟

منذ العام 1997 وحتى العام 2019 اعتاد السوق اللبناني على التعامل مع الدولار الأميركي بموازاة الليرة اللبنانية كأنهما عملتان مرتبطتان بسعر صرف أزلي غير قابل للتغيير كحقيقة مثبتة مطلقة ويتم على أساسها القيام بالتزامات بإحدى العملتين من قبل العملاء الاقتصاديين، أفراداً ومؤسسات، بغضّ النظر ما إذا كان مردودهم فقط بالليرة اللبنانية، لا بل أن الدولة نفسها اتخذت هذا النهج وزادت استدانتها بالدولار من دون أي هاجس أن لا مردود لها سوى بالعملة الوطنية وكأنّ مخاطر فرق العملة لا تنطبق في لبنان!

وما ان بدأ يتبلور انهيار الوضع الاقتصادي-المالي-النقدي-المصرفي منذ خريف 2019، حتى بدأت بالهمس التساؤلات بين من يخشى فلتان منحى الدولرة الجزئية غير الرسمية التي بدأت عفوية كخيار القطاع الخاص منذ الأزمة النقدية في الثمانينات الى أن أنشأ مصرف لبنان غرفة مقاصّة للشيكات بالدولار وسمح بعدها بتعبئة أجهزة الصراف الآلي بالدولار الأميركي الى جانب الليرة اللبنانية، في ظاهرة لا تشبه إلا نفسها عالمياً بكل ما تحمل من مخاطر مضاربة وتنشيف السوق من الدولار النقدي في أي لحظة خاصة في ظل اقتصاد مفتوح وبعد أزمة النزوح التي شهدها لبنان بعد اندلاع الحرب في سوريا، حيث استمر السماح لأيّ مقيم في لبنان لأن يفتح حساباً جارياً بالليرة ويضع فيه مثلاً 150 ألف ليرة لبنانية ثم يطلب من الصراف الآلي إعطاءها له 100 دولار اميركي اوتوماتيكياً ومن دون أي مراقبة ولا تدقيق عن الأسباب والنتائج والمخاطر... وكأنّ لبنان يطبع العملتين ويمتلك أوراقاً بالعملتين الى ما لا نهاية ولا شي يهزّ معدّل الصرف بين العملتين على أساس 1507.5 ليرة لبنانية للدولار الأميركي الواحد وبغضّ النظر إن سجّل ميزان المدفوعات فائضاً يقترب من 8 مليارات دولار كما كانت الحال عام 2010 أو سجّل سقوطاً مدوياً صوب عجز يفوق الـ 2 مليار دولار كما حصل عام 2011.

كما بقي تجميد سعر الصرف بشكل متشدد بغضّ النظر عن تطور معدّل النمو الاقتصادي الذي هبط من 8 % عام 2010 الى حدود الـ 1 % عام 2011، وبغضّ النظر عن مسار معدل الدين العام/الناتج المحلي الذي عاوَد الارتفاع منذ العام 2011 مع زيادة حصة الدين بالدولار... كذلك تم التمسّك بسعر الصرف بغضّ النظر عن حركة الرساميل صوب القطاع المصرفي الذي شهد إقبالاً هائلاً من الودائع بالعملات الأجنبية حتى العام 2010، ثم أصبح يبحث عن سياسات نقدية غير تقليدية توّجت بالهندسات المالية إبتداء من العام 2016 لاستقطاب ودائع بالدولار الأميركي وفك عقود توظيفات خارجية بالدولار الأميركي للجهاز المصرفي لجلبها الى لبنان وتوظيفها بين الأوروبوند وشهادات الإيداع بالعملات الأجنبية لدى المصرف المركزي للاستمرار بتجميد «اصطناعي» لسوق القطع كما لتأمين الدولار للاستيراد بمليارات الدولارات على أساس سعر صرف يجعل الاستيراد أرخَص من الانتاج الوطني! وأكثر من ذلك كان يستمر إمداد كهرباء لبنان حتى 43 مليار دولار على شكل سلفات خزينة لا يتم تسديد أيّ منها للمصرف المركزي كما لا يتم من خلالها تأمين استدامة الكهرباء.

من المعروف أنّ الدولرة الجزئية كما هي الحال في لبنان منذ الأزمة النقدية في الثمانينات، مرتبطة من ناحية بعمليات التضخم المفرط الناتج عن طباعة النقد تلبية للحاجات التمويلية لا سيما للقطاع العام في ظل ضعف سائر مصادر التمويل، ومن ناحية أخرى نتيجة التضخم «المستورد» بفعل تدهور سعر الصرف واعتماد الاستهلاك بشكل أساسي على البضائع المستوردة، علماً أنّ الدولرة الجزئية التي تكون في الوقت نفسه عالية، يجب أن تكون إما وسيلة لتجنّب عيوب عدم استقرار العملة الوطنية في فترة معينة، وملجأ وسيطاً للعملاء الاقتصاديين، في انتظار استعادة الصدقية في العملة الوطنية، التي يجب أن تؤدي تلقائياً الى التحرّر التدريجي من الدولرة والعودة التدريجية للعملة الوطنية، وإما أن تؤدي إلى تعميم دولرة شاملة في حالة صعوبة استعادة الثقة في العملة الوطنية والاستقرار النقدي المنشود، من خلال سياسة الاستقرار التي تتلاءم مع خصوصيات الاقتصاد الوطني.

لبنان، وبدءاً من العام 1992، اتجّه نحو برنامج التثبيت التدريجي لسعر الصرف الاسمي، حتى اعتماد الهامش الضيّق 1501-1514 مع معدّل وسطي 1507.5 عام 1997، وقد ساهم بذلك عودة الثقة النسبية، ومعدلات الفائدة المرتفعة على سندات الخزينة والتوقعات الإيجابية للقطاعات الاقتصادية، ولا سيما منها قطاع البناء، وازدياد صافي تدفق رأس المال الذي بلغ إجماله نحو 25 مليار دولار بين 1993 و1997. وسمحت هذه التدفقات الرأسمالية للدولة بالحفاظ على سعر الصرف الإسمي وتقويته، والمساعدة في تحقيق معدل نمو سنوي خلال السنوات الأولى من إعادة الإعمار بنحو 40 % من الإنفاق. ومع ذلك، فقد وصلت نِسَب العجز إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 20 %و90 % على التوالي، ولم يتمّ حينها الشروع في إزالة الدولرة تلقائياً (من دون إجراءات إلزامية ولكن بنتيجة استقرار العملة الوطنية). ولكن من أجل ذلك، كان من الضروري اختيار مرحلة عالية من الدورة الاقتصادية لإحراز تقدّم في خفض الدولرة، إن كان ذلك في الدين العام أو التعامل الاقتصادي في القطاع الخاص. إنّ الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي مقترناً بعودة الثقة في العملة الوطنية كان يفترض أن يخلق الظروف اللازمة لتعزيز تراجع الدولرة، ومنع مخاطر عدم التوافق بين العملات، من أن يكون له تأثير سلبي على الملاءة المالية والسيولة للدولة والعملاء الاقتصاديين.

في الواقع، تتطلب الأزمة الاقتصادية الحالية في لبنان من الاقتصاد اللبناني أن يحرّر نفسه أقلّه من إحدى القيود الرئيسية الثلاثة للسياسة النقدية التي سبق ذكرها: تثبيت سعر الصرف والدولرة والدين العام.

من ناحية، كان ولا يزال من الصعب فرض الخروج من مظلة دولرة الاقتصاد والتكامل المالي الدولي للبنان مع العالم، علماً أنّ إلغاء دولرة الاقتصاد إجبارياً يتضمن فرض تحويل الأصول والديون الى العملة الوطنية، بما يمكن اعتباره اعتداء على ملكية العملاء الاقتصادية وخياراتهم، ما يمكن أن يشجّع النشاط الاقتصادي الموازي وغير المعلن، للاحتفاظ بالتعامل بالعملات الأجنبية، كما يمكن أن يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال والاستثمار الأجنبي في ظلّ حرية حركة الرساميل التي كانت سائدة حتى انفجار الأزمة أواخر العام 2019. أما بالنسبة الى دين الدولة، فلا يمكن تحويله أحادياً الى العملة الوطنية، خصوصاً ان كان على شكل سندات «يوروبوندز» يتمّ تداولها عالمياً بالعملة الأجنبية للإصدار، وهي غالباً الدولار الأميركي، أما العجز عن تأمين الدولار للدائنين عند استحقاق هذه السندات، فيُعتبر ذلك تخلّفاً عن السداد مثلما حصل مؤخراً في آذار 2020.

من ناحية أخرى، إنّ التخلّي عن تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، وبالتالي السماح بتعويم الليرة اللبنانية بعد تحويل ما قد يكون أصولاً مالية محلية، كان من المحتمل أن يؤدي إلى انخفاض قيمتها، وجعل ثقل الدين العام غير قابل للضبط. فيما يبقى هاجس الدين العام بالدولار الأميركي قائماً للدولة، وكذلك هواجس الجهاز المصرفي إزاء الدولة غير القادرة على السداد، مثلما هي الحال من جهة مصرف لبنان، الذي يحمل سندات «يوروبوندز» بأكثر من 5 مليارات دولار على الدولة اللبنانية العاجزة عن السداد منذ آذار 2020، والمصارف اللبنانية التي كانت تحمل «يوروبوندز» بأكثر من 14 مليار دولار على الدولة اللبنانية، فضلاً عن توظيف أكثر من 70 مليار دولار لدى المصرف المركزي، بين إحتياطي الزامي على الودائع بالدولار الأميركي في المصارف التجارية وشهادات إيداع بالدولار الأميركي لدى مصرف لبنان، علماً أنّ الدولرة يمكنها أن تتخذ عدة أشكال مختلفة بين درجة الدولرة الجزئية والكاملة وبين الدولرة الرسمية وغير الرسمية الناتجة عن خيار عفوي وحر من القطاع الخاص. ومن المفيد التمييز بين ثلاثة أنواع من الدولرة في هذا الإطار:

• دولرة المدفوعات: يستخدم الدولار في المقام الأول كوسيلة للدفع.

• الدولرة المالية: السكان لديهم أصول مالية بالدولار؛

• الدولرة الحقيقية: الأسعار المحلية و/أو الأجور ثابتة بالدولار.

لا يوجد سوى عدد قليل من الاقتصادات التي اعتمدت على الدولرة الكاملة (السلفادور والإكوادور وبنما)، ولكن الدولرة الجزئية شائعة جداً. وقد أدت نسبة الودائع بالعملات الأجنبية ومن إجمالي الودائع في السنوات الأخيرة في أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا والبلدان التي تمر بمرحلة انتقالية في أوروبا الى الدولرة الجزئية في بعض البلدان. أما سلوفينيا مثلاً فقد أزالت الدولار من اقتصادها بعد تقديم سياسة ذات مصداقية ضد التضخم. في بعض البلدان، كان إلغاء الدولرة من خلال التحويل القسري للأصول أو الخصوم الدولارية إلى العملة الوطنية. ولكن لأسباب غير واضحة، فقد استمرت الدولرة بل وزادت في العديد من البلدان حتى بعد استقرار العملة الوطنية.

وتشهد العديد من البلدان التي يغريها إلغاء الدولرة القسري على هروب كبير لرأس المال منها، مما يحول دون الانخفاض المستدام في الدولرة.

إذا كان من الممكن أن تؤدي الدولرة الجزئية إلى زيادة الوساطة المالية في بعض البلدان، إلا أنها تعرّض النظام المالي أكثر فأكثر لمخاطر السيولة والملاءة المالية خاصة متى لا يتم تقييم هذه المخاطر بشكل جيد والتحكّم فيها من قبل المؤسسات المالية والمشغلين الآخرين، بل يمكن أن تكون مصدراً للاضطرابات ولسحوبات ضخمة من الودائع المصرفية والأزمات المالية.

في النظام القائم على الدولار، توجد مخاطر سيولة عندما تكون تغطية الالتزامات الدولارية للمصارف غير كافية. قد تؤدي الزيادة المفترضة في مخاطر البلد أو المخاطر المصرفية إلى قيام المودعين أو الدائنين الآخرين بتحويل ودائعهم أو خطوط ائتمانهم إلى دولارات سائلة، أو إلى نقلهم للخارج كما حصل في لبنان لا سيما في الأشهر الأولى من العام 2019 مع بدء الاستشعار باقتراب انفجار الأزمة.

وتنتج مخاطر الملاءة عن عدم التوازن بين الأصول والمطلوبات بالعملات الأجنبية وكذلك الكمبيالات، وبالتالي قد يؤدي انخفاض قيمة العملة الوطنية إلى تأثير ذلك على صافي القيمة. ويوجد عدم التطابق عندما تكون الأصول بالعملات الأجنبية غير متوافقة مع المطلوبات بهذه العملات. فعندما تكون الخصوم بالعملات الأجنبية للمصارف أعلى من أصولها بهذه العملات، يتسبّب تدهور سعر صرف العملة الوطنية بتعريض المصارف للخطر على ملاءتها. هذا هو ما يحدث عندما يقبل البنك الودائع بالعملات الأجنبية ويمنح القروض بالعملة الوطنية فيتعرّض لما يسمّى مخاطر العملة، فكيف سيكون الأمر عندما يفرض على المصارف أن تقبل التسديد بالليرة للقروض التي منحتها بالدولار للقطاع الخاص، وأن تتقبّل وقف تسديد الأوروبوند وشهادات الايداع التي وظّفتها بالدولار بين الدولة والمصرف المركزي فيما يطلب منها التسديد التدريجي للودائع بالدولار؟...

يبقى القول إنه إذا كانت لـ»الليرنة» والتخلي القسري عن الدولار نظراً لافتقاده مخاطر خسائر جسيمة وفقدان ما تبقى من الثقة باستعادة دور لبنان المصرفي حتى على المدى المتوسط، فإنّ محاذير الدولرة الشاملة تتطلّب أقلّه توفّرها للتداول.. ولكن قبل البَت باتجاه أو بآخر لا بد من البدء بتوحيد سعر صرف الدولار الى الليرة لمعرفة على أي أساس يمكن الليرنة أو الدولرة الشاملة.. فهل من إمكانيات وكمية دولارات للتدخّل لحسم استقرار وتوفّر السيولة في السوق لأيّ من الاتجاهين؟


lundi 12 juillet 2021

د. سهام رزق الله لـ «الأنباء»: الاستقرار السياسي شرط أساسي لكنه غير كافٍ للاستقرار الاقتصادي

 

د. سهام رزق الله لـ «الأنباء»: الاستقرار السياسي شرط أساسي لكنه غير كافٍ للاستقرار الاقتصادي

https://www.alanba.com.kw/ar/arabic-international-news/lebanon-news/1052836/24-06-2021-%D8%B3%D9%87%D8%A7%D9%85-%D8%B1%D8%B2%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%84%D9%80-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%A8%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D8%B4%D8%B1%D8%B7-%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D9%84%D9%83%D9%86%D9%87-%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D9%83%D8%A7%D9%81-%D9%84%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A/

يئنّ لبنان تحت وطأة أزمة اقتصادية قد تكون الأسوأ في تاريخه، يزيدها قساوة انسداد سياسي وأزمات متتالية تدفع بالعملة الوطنية إلى مزيد من الانهيار والتضخم المفرط.

في هذا الإطار، التقت «الأنباء» الخبيرة الاقتصادية د.سهام رزق الله وهي أستاذة محاضرة في كلية العلوم الاقتصادية في جامعة القديس يوسف، وكانت دردشة حول الوضع المأزوم واحتمالات الحلول، بحيث طالبت رزق الله بمعالجة أساس الأزمة الاقتصادية التي يرزح تحتها لبنان منذ العام 2011، والتي انفجرت في أكتوبر 2019.

وكذلك اشارت إلى أن السعر الذي طرحته منصة «صيرفة» يشكل «محاولة تبني سعر السوق بلحظة زمنية معينة، إلا أن سوق القطع تخطاها وهو يتحرك بغضّ النظر عنها»، ورأت أن التوصل إلى سعر الصرف الفعلي، يحتاج أولا إلى قرار بالاستقرار السياسي ـ الاقتصادي ـ الاجتماعي الشامل.

هل يريح رفع الدعم سوق النقد وسعر صرف الدولار رغم كونه مؤلما على المواطنين؟

٭ في الواقع تخطت المسألة اليوم تقييم السياسة المالية والنقدية التي تم اعتمادها في إطار ما سمي بـ«الدعم»، ذلك ان الأخير يكون من مالية الدولة إلى المواطنين، وليس مما تبقى من ودائع بعض المواطنين لشراء مواد غذائية ومحروقات وغيرها وفق سعر صرف لم يعد واقعيا، ويؤدي ذلك إلى الحصول على بضائع أصبحت تباع علنا في مختلف أسواق العالم بأسعار تتخطى تلك المعتمدة في الأسواق اللبنانية، من دون تحديد أي مسؤوليات عن التهريب العلني الذي يتم جراء ذلك. ان وقف عملية الشراء بأقل من صرف الدولار في السوق أصبح ضرورة، بفعل نفاد الاحتياطي بالدولار الأميركي الذي كان يستخدم لهذه الغاية من قبل مصرف لبنان بقرار من السلطات العامة.

أما الوقع على المواطنين فهو أيضا يحتاج إلى التمييز بين شرائح المواطنين، إذ إن ما كان يسمى بـ«الدعم» لم يكن يميز بين المواطنين ومردودهم وقدراتهم، وكذلك فإن رفع «الدعم» لا يميز بينهم. كما أن فرق العملة في أسعار البضائع في السوق أغلى لمن مدخوله بالعملة الوطنية وأرخص بالنسبة لمن مدخوله بالعملات الأجنبية. ما يريح الوضع النقدي وسوق القطع حاليا، يرتبط بمعالجة أساس الأزمة بالعودة إلى اندلاعها في 2011 تحديدا، لا قبل ولا بعد، وذلك مع انقلاب وضع ميزان المدفوعات رأسا على عقب وتدحرج كل المؤشرات الماكرو-اقتصادية معه، كما تثبت كل الأبحاث الاقتصادية العلمية.

السعر الجديد للدولار وفق منصة «صيرفة» البالغ 12 ألف ليرة، هل يكرس عتبة الحد الأدنى؟

٭ السعر الذي طرحته «صيرفة» هو محاولة تبني سعر السوق بلحظة زمنية معينة، إلا أن سوق القطع تخطاها وهو يتحرك بغض النظر عنها، على رغم أن السوق الموازية لا يفترض أن تمتلك هامش تأثير أقوى من المصرف المركزي والمصارف مجتمعة، منذ اللحظة الأولى لاندلاع الأزمة. كل الاجراءات التي اعتمدت خلال الأزمة، سهلت نمو سوق موازية باتت تفرض سعرها على الجميع، حتى لو لم يكن السعر علميا ومترجما لواقع الاقتصاد العام الذي له أسسه في احتساب سعر الصرف الفعلي لكل اقتصاد. وبالتالي سعر 12 ألف ليرة لا يمكن اعتباره لا حدا أدنى ولا حدا أقصى، لأنه غير محسوب وفق الأسس العلمية الاقتصادية الصحيحة، بمعزل عن مختلف العناصر الأخرى غير الاقتصادية.

أما التوصل إلى سعر الصرف الفعلي، فيحتاج أولا إلى قرار بالاستقرار السياسي ـ الاقتصادي ـ الاجتماعي الشامل، وهذه مسألة أكبر من أدوات نقدية تقنية تنفيذية. ومن بعدها يجب ان توضع قراءة شاملة للمؤشرات الاقتصادية الفعلية لمعرفة مستوى سعر الصرف وفق حاجة السوق من الدولار للتداول (وليس للتخزين والتهريب والمضاربة والضغط..)، ويتم التفاوض مع الدائنين بالعملات الأجنبية، وتوضع خطة عملية قابلة للتطبيق من خلال صندوق سيادي لمعرفة واردات الدولة وكيفية توجيهها نحو تحمل مسؤوليتها تجاه دائنيها، والتفاوض مع صندوق النقد الدولي والهيئات الدولية التي من شأنها أن تساهم في تأمين مناخ الثقة المطلوب، ليس فقط لتأمين المساعدات، بل لاستعادة الاستثمارات الأجنبية واستقطاب الرساميل الخارجية التي تشكل دينامو الاقتصاد اللبناني، وقد عرف الأخير تدهورا منذ «جفافها» من البلد.

ما تداعيات منح المواطنين 400 دولار نقداً شهريا و400 دولار وفق سعر منصة صيرفة، وما انعكاس ذلك على الكتلة النقدية؟

٭ قرار المصرف المركزي لا «يمنح» 400 دولار للمواطنين، بل «يحرر» أموال المواطنين المحتجزة في حساباتهم منذ خريف 2019. وهذا أقل حقهم، وقد طالبنا بذلك كاقتصاديين منذ اللحظة الأولى لاندلاع الأزمة. وأعني هنا إقرار تنظيم السحوبات المالية بالعملات الأجنبية للمودعين من حساباتهم وفق «كابيتال كونترول»، كما هو حاصل في كل البلدان التي تشهد أزمات، كذلك لابد من الخروج من سياسة التأجيل والرهان على الوقت، والوقف الكلي لسحوبات «المودعين العاديين» كما حصل.

في حين كان مجموع الودائع بالعملات الأجنبية يتراجع وكذلك الاحتياطي من هذه العملات يستنزف في غير مكانه حتى وصلنا إلى الاحتياطي الإلزامي الذي لا يجوز المساس به، سوى لتحريره لأصحاب الودائع أنفسهم فقط لا غير.

وكان يفترض أن يساهم ذلك بتهدئة سوق القطع، إذا صرف المودعون الدولارات وزادوا من عرضها في السوق. إلا أن إلزام المودعين سحب 400 دولار على سعر صرف 12 ألف ليرة، يرجح ان يدفع بهم إلى استعمال ما سينالونه بالليرة اللبنانية وتخزين ما يسحبونه بالدولار أو وضع الـ 400 دولار في حساب خارجي للشراء من الخارج أو تحويل المال، أو التمكن من استخدام بطاقات حسابات «الأموال الطازجة» في السفر، بعد وقف العمل ببطاقات الائتمان الصادرة من المصارف اللبنانية.

وبالنسبة إلى الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية فكأننا «أوقفنا العد» بها. وقد تضاعفت ولاتزال ترتفع لأسباب عدة أكثر خطورة من سحب أموال الناس لتسديد الدين العام وفوائده بالليرة اللبنانية، أو خلق النقد (طباعة العملة الوطنية) لتغطية نفقات الدولة من رواتب وأجور ومصاريف مختلفة، مع تدن رهيب لمستوى إيراداتها، وعدم السعي إلى أي إصلاح من شأنه خفضها وترشيدها كما تقتضي به حالات أزمة مشابهة. المشكلة الأساسية هي أنه لا مناخ ثقة يدفع المواطن لصرف الـ 400 دولار نقدا، بل سيلجأ إلى «تخبئتها» و«التخلص» مما يحصل عليه بالليرة.

هل يستمر سوق العقار ضمانة لحماية أموال المودعين كبديل للنظام المصرفي؟

٭ من المؤكد أن سوق العقار شهد حركة استثنائية مطلع الأزمة، لاسيما مع سعي المطورين العقاريين إلى تغطية حساباتهم المدينة من خلال بيع الشقق مقابل شيكات مصرفية حتى لحسابات مجمدة، ولكن الوضع اختلف اليوم بعدما تمكن معظمهم من تحقيق هذه الغاية، ولم يبق من عرض عقاري سوى لمن يريد الحصول على السيولة وطبعا بالدولار النقدي أو الـ «الطازج» الذي يمكن التصرف به.

هل تعتقدين أن الرخاء السياسي كفيل بتحقيق انفراجة في الأزمة النقدية؟

٭ من المعروف علميا، وليس من معتقدي الخاص، أن الاستقرار السياسي هو شرط أساسي لكنه غير كاف للاستقرار الاقتصادي.

في 2016 ـ 2017 كانت «الهندسات المالية» بين وزارة المالية ومن مصرف لبنان والمصارف التجارية لتخفيض خدمة الدين العام (لأن الفوائد على اليوروبوند أقل من الفوائد على سندات الخزينة بالليرة اللبنانية) ولجذب العملات الأجنبية والمحافظة على سياسة ربط العملة الوطنية بالدولار الأميركي، وأدت إلى تأجيل انفجار الأزمة.. ومن الواضح والمعروف أيضا أن وكالات التصنيف الدولية (فيتش، موديز، وستاندر آند بورز) تعتمد «الاستقرار السياسي» كأحد أبرز العوامل المؤثرة في «تثقيل» تصنيفها السيادي لسندات أي بلد، أي قدرته على الايفاء بتسديد التزاماته بالعملات الأجنبية، لأن تراجع الاستقرار مقدمة إلى افتقاد الثقة والمناخ الاستثماري، وبالتالي اضطرار البلد المعني إلى رفع معدلات الفوائد على سنداته لإقناع المستثمرين بالاستمرار بتمويله رغم ازدياد مخاطر التسديد.

بين تعاميم مصرف لبنان وعقود المصارف: الشفافية أساس استعادة الثقة...

 بين تعاميم مصرف لبنان وعقود المصارف: الشفافية أساس استعادة الثقة...

https://www.aljoumhouria.com/ar/news/604040/%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%85-%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%81-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%A7%D8%B1%D9%81--%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%81%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%B3-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A9?utm_source=editor&utm_medium=web&utm_campaign=listnews

Saturday, 10-Jul-2021 06:20

لطالما شكّلت شفافية السياسة النقدية وصدقية المصارف المركزية العمود الفقري لبناء الثقة في الجهاز المصرفي، خصوصاً في فترات الأزمات، حيث يزداد الحذر ويشتد القلق ويحتاج العملاء الاقتصاديون مزيداً من الطمأنة، حتى تجاه أكثر القرارات التي تصبّ في مصلحتهم... وسط الأزمة الاقتصادية ـ المالية - النقدية ـ المصرفية و»عجقة» تعاميم مصرف لبنان المركزي من جهة، و»تشكيلة» العقود التي تطرحها المصارف على المودعين من جهة أخرى، في غياب النص الموحّد بينها، تبقى استعادة الثقة في حاجة لما يُعرف في علم الإقتصاد بـ»التوجيه المسبق» Forward Guidance، الذي يمثّل أبرز ركائز السياسات غير النقدية، لتوضيح الرؤيا للمستقبل وإزالة الغموض الذي يغذي التردّد في القرارات. أي أسس للشفافية في السياسات النقدية؟ ما مدى ارتباطها باستقلالية المصارف المركزية؟ كيف تنعكس على عمل الجهاز المصرفي ككل؟ وأين تعكس واقع الحال في لبنان؟

من المعروف أنّ دور المصارف المركزية وصلاحياتها أصبح أكثر اتساعًا وتعقيدًا منذ الأزمة المالية العالمية لعام 2008، نظرًا للطبيعة غير التقليدية للسياسات النقدية التي اعتمدتها، وزيادة حجم تدخّلاتها في الإقتصاد حينها، ومن ثم خلال وباء كورونا والاضطرار الى مزيد من التدخّل لتمويل القطاعين العام والخاص، تخضع المصارف المركزية لإشراف أوثق بكثير، وتزداد الحاجة الى اطلاع الرأي العام بكل شفافية ووضوح على حيثيات خياراتها وانعكاساتها المستقبلية، لتحسين قدرة الناس على التوقّع العقلاني.. فكيف عندما تكون البلاد غارقة في أزمة معقّدة الأوجه كما هي الحال في لبنان؟

«العامل النفسي» لجهة الوضوح في كل قرار وكل خيار هو أساسي لبناء الثقة، ولكن أكثر ضرورة لاستعادة ثقة كانت موجودة وفُقدت بنحو دراماتيكي نتيجة عمق الأزمة وتشعّبها، كما هي الحال في لبنان، حيث بات التشكيك في مفاعيل أي قرار أو تعميم أو عقد، يصدر عن الجهاز المصرفي بمجمل مكوّناته، يسبق حتى قراءة نصّه!؟..

وعندما نتناول في علم الإقتصاد مفهوم الصدقية في السياسة النقدية، نعني بها أساساً أن تكون خيارات المصارف المركزية أكثر شفافية وخضوعاً للمساءلة، للحفاظ على ثقة الجمهور وعلى استقلاليتها وتعزيز فعالية إجراءاتها وتجاوب الجمهور معها.

لقد طور صندوق النقد الدولي قانون شفافية المصرف المركزي لمساعدة البلدان الأعضاء في تلبية هذه المطالب وزيادة الثقة والدعم للمصارف المركزية. يهدف ذلك إلى تعزيز التواصل الأكثر فعالية بين هذه المصارف وأصحاب المصلحة المتعددين، والحدّ من عدم اليقين والمساعدة في اتخاذ قرارات أفضل.

 

الشفافية والمساءلة

تشارك المصارف المركزية بنحو متزايد في أنشطة مختلفة. يتولّى مزيد منها، على سبيل المثال، مهمات الإشراف ووظائف الاستقرار المالي الأخرى. الشفافية هي أداة تسهّل المساءلة، من خلال تمكين الجمهور من فهم أفضل لطريقة خدمة الأنشطة المنفّذة لمصالحهم، وتتماشى في الاجراءات المحدّدة مع الهدف النهائي المتمثل بزيادة الكفاية. بسبب المسؤوليات المتزايدة والتوسع الهائل في الموازنات العمومية، يُطلب من المصارف المركزية بنحو متزايد تحديد ما تفعله، وكيف.. ولماذا... وتزداد هنا أهمية استقلالية المصرف المركزي التي أصبحت موضع تساؤل في عدد من البلدان، لاستخدام لغة المصارف المركزية، يمكننا القول إنّ الشفافية والمساءلة هما الضمانات الحقيقية لاستقلاليتها.

هذا المنحى هو جزء من التركيز الأوسع لصندوق النقد الدولي على قضايا المساءلة والحوكمة. كونها اختيارية، فهي تسمح للمصارف المركزية قياس الشفافية في 5 مجالات أو «ركائز» أساسية: الحوكمة والتوجّهات الرئيسية والعمليات والنتائج والعلاقات الرسمية. لكل ركيزة تقدّم المدونة قائمة بأفضل الممارسات («الأساسية» أو «الموسعّة» أو «الشاملة») للوظائف الأساسية، مثل السياسة النقدية أو السياسة الاحترازية الكلية.

تمّ إنشاء هذه المجموعة من الممارسات في ضوء التنوع الهائل للمصارف المركزية في 189 دولة عضو في صندوق النقد الدولي، من حيث الأطر القانونية وترتيبات الحوكمة ومستويات التنمية الاقتصادية والمالية. يمكن لكل مصرف مركزي وأصحاب المصلحة تحديد ما إذا كان يتمّ الالتزام بالشفافية الموضوعية في الممارسة، اعتمادًا على الوضع المحدّد في كل بلد. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه اللائحة ليست أداة تصنيف، وليس المقصود منها التعبير عن التفضيلات أو تقديم توصيات في شأن التفويضات أو الهياكل المؤسسية أو إجراءات الحوكمة الخاصة بالمصارف المركزية.

من المسلّم به أنّ الشفافية ليست هدفًا مطلقًا أو غاية في حدّ ذاتها. ولدى المصارف المركزية أسباب مشروعة لتأخير أو عدم إصدار بيانات السوق الحساسة ومواد الاستقرار المالي والبيانات الشخصية. ويُعتبر مفهوم السرّية وثيق الصلة، خصوصاً بالتدخّلات في سوق الصرف الأجنبي، وإدارة الاحتياطيات، والقرارات الإشرافية المتعلقة بمؤسسات معينة وتوفير السيولة الطارئة. ويحدّد القانون الشروط الواجب استيفاؤها ويسلّط الضوء على المبدأ العام الذي يقضي بضرورة أن تضع المصارف المركزية قواعد واضحة لشرح المعلومات التي تظل سرّية ولأي أسباب.

إستقلالية المصرف المركزي

بعد الفورة الكبرى في الثمانينات حول مفهوم استقلالية المصرف المركزي وأهميتها لتأمين صدقية السياسات النقدية، عادت هذه الاشكالية بمتطلبات مختلفة في السنوات الأخيرة، خصوصاً مع اعتماد السياسات النقدية غير التقليدية بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008. فماذا تعني السياسات النقدية غير التقليدية، لا سيما في ما يتعلّق بضرورة استقلالية المصرف المركزي لتحقيق صدقية السياسة النقدية؟ ما هي أبرز أشكال هذه السياسات وأُسسها؟ وما مدى تأثيرها المرتقب على صعيد الاستقرار النقدي كما المالي؟

عندما نتحدث في الاقتصاد عن استقلالية المصرف المركزي، نعني بها تحديداً استقلالية السلطة النقدية عن السلطة السياسية، بحيث يكون للمصرف المركزي حرّية تحديد خياراته في اعتماد السياسة الأنسب، للحفاظ على الاستقرار النقدي في الشق الداخلي عبر ضبط التضخم، وفي الشق الخارجي عبر الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية تجاه العملات الأجنبية. ومن المعروف إقتصادياً، أنّ مفهوم استقلالية المصرف المركزي يعتمد على ثلاث ركائز أساسية: الاستقلالية القانونية في النصوص، الاستقلالية الفعلية في الممارسة، والاستقلالية المالية في حسابات المصرف المركزي تجاه الدولة.

ولطالما شدّدت الأدبيات الاقتصادية، وخصوصاً مع الموجة الكلاسيكية في الثمانينات، على أنّ تحقيق الهدف الرئيسي للمصرف المركزي بتأمين الاستقرار النقدي لا يمكنه أن يتحقّق إلّا من خلال الفصل التام للسياسة النقدية لهذا المصرف عن السياسة المالية للحكومة ووزارة المال، خصوصاً لتفادي لجوء الحكومة ممثّلة بوزارة المال الى طلب تغطية عجوزاتها المالية من خلال تدخّل المصرف المركزي، إن كان عبر ضخ السيولة وتحمّل انعكاساتها التضخمية الفورية، أو من خلال الضغط على المصرف المركزي للمساهمة في الدين العام، عبر الاكتتاب بسندات الخزينة والتفاوض حول شروطها بالكمية والآجال ومستوى الفوائد… أو طبعاً اللجوء الى افتعال زيادة في السيولة واصطناع نهضة عابرة في الأسواق في فترات محدّدة، مثل الفترات التي تسبق الإنتخابات، لإحداث صدمة إيجابية وهمية، لا تلبث أن تتحوّل كابوساً تضخمياً يصعب ضبطه، دون أن تكون مساهمة بنمو إقتصادي حقيقي وخلق فرص العمل المطلوبة.

 

السياسات النقدية غير التقليدية

أما منذ الأزمة المالية عام 2008، فقد اضطرت المصارف المركزية الى التدخّل في الأسواق، ولعب دور المنقذ لتأمين السيولة المطلوبة للقطاعين العام والخاص، وتفادي الانهيارات الشاملة، عبر السياسات النقدية غير التقليدية المعتمدة، والتي شكّلت مفترقاً كبيراً في مفهوم إستقلالية المصرف المركزي لجهة تأمين التدخّل المطلوب لتمويل الاقتصاد، مع المحافظة في الوقت نفسه على صدقية سياسته النقدية ومنع المسّ بخياراته في تأمين الاستقرار النقدي الضروري.

وقد جهدت السياسات الحديثة غير التقليدية في تثبيت إمكانية تحقيق صدقية المصرف المركزي، ولو في ظل مساهمته في تمويل الدولة والدين العام، عبر زيادة السيولة وخفض معدل الفوائد الى ما يلامس حدود الصفر، دعماً للاستثمار ولتنيشط الاقتصاد ككل، ذلك أنّ من خلال سياسة المعايير الإسترشادية القائمة على إعطاء الجمهور علماً مسبقاً بمخططات السلطة النقدية لجهة تنامي Forward Guidance الكتلة النقدية ومستوى الفوائد واتجاه سعر الصرف، بما يساعد العملاء الاقتصاديين في صوغ توقعاتهم بنحو صحيح، خلافاً لأسلوب المفاجأة والكتمان الذي كانت بعض المصارف المركزية تعتمده لإحداث فورة اقتصادية فجائية ولو بكلفة تضخّم باهظة.

إستعادة الثقة خصوصاً في ظلّ الأزمات، تتطلّب وضوح الرؤية لحسن التوقّع للمستقبل. فيما المودع في لبنان وبعد طول انتظار لاستعادة جزء من ودائعه بالدولار الأميركي، وجد نفسه في حالة غموض للمستقبل، عند قراءة بعض عقود تطبيق التعميم الجديد الرقم 158 مدّتها قد تصل الى 5 سنوات، ولكن دون تعهّد المصارف بالإلتزام إلّا بشروط السنة الأولى منه... فكيف يطمئنون ويتجاوبون؟

علماً أنّ مصرف لبنان جهد أخيراً، إن كان لجهة الإعلان عن التوجّهات النقدية للمصرف المركزي، او لجهة الإضاءة على دقة الأوضاع المالية التي تستدعي تدخّله، خصوصاً عبر الاضطرار الدائم الى تمويل القطاع العام، حتى أصبح أبرز المكتتبين بسندات الخزينة والتي تدفعه مراراً الى المشاركة في عمليات الـ»سواب» والهندسات المالية مع المصارف التجارية، مما يعكس الشكل الثاني من السياسات النقدية غير التقليدية المعروفة بسياسات التليين النقدي الكمّي Quantitative Easing القائمة على ضخ السيولة لشراء السندات المالية من القطاعين العام والخاص والتليين النقدي النوعي، فضلاً عن الشكل الثالث للسياسات النقدية غير التقليدية، القائمة على الشراء الكثيف للسندات، على الرغم من ارتفاع درجة مخاطرها Qualitative Easing.

إلّا أنّ السياسات الحديثة غير التقليدية، ومنها في لبنان «الهندسات المالية» التي أجّلت إنفجار الأزمة، واجهت عوائق عدة حدّت من فعاليتها، وخصوصاً من حيث انعكاساتها على المالية العامة وتحفيز الدولة على ترشيد الإنفاق العام وضبط الدين العام، خصوصاً وأنّ خفض الفوائد، ومنها طبعاً على سندات الخزينة، مما يسمح للدولة بالتراخي في ضبط المديونية، طالما أنّها غير مكلفة لجهة خدمة الدين العام (أي الفوائد السنوية على أصل الدين) فلا يضغط عليها لتأمين الانضباط في سياستها المالية وتفادي العجز والاستدانة.

وأكثر من ذلك، يبقى التحدّي الأساس بعد انقضاء الأزمة، في إمكانية الخروج عن السياسات النقدية غير التقليدية، والعودة الى اعتماد السياسات النقدية التقليدية، من دون إحداث بلبلة في توقعات الجمهور، بل طمأنته بشفافية الى مجرى الخيارات الجديدة، فضلاً عن الضغط لضبط المالية العامة لعدم الاضطرار الى التدخّل في استمرار واستنفاد إمكانات المصرف المركزي وحرفه عن دوره الرئيسي في تأمين الاستقرار النقدي، لإغراقه في تمويل الدولة وطبع العملة لتلبية حاجات السوق. ويكفي لذلك مراقبة تطور حجم الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية في لبنان، وكيف تُترجم يومياً بالتضخم وتدهور سعر الصرف...

في اختصار، إذا كانت شفافية السياسة النقدية أساس الثقة بالسياسة المصرفية، فلا يمكن توقّع إستعادة الثقة في الأزمات، عبر مزيد من الغموض... الصدقية تبدأ بإعلان الأهداف والخيارات وتتثبت بالإلتزام بآليات وروزنامة تطبيق العقود... هكذا فقط يتشجع الناس على التجاوب، فيساهمون بنجاح السياسات والإجراءات وفعاليتها...


بعد 22 عاماً من تثبيت الدولار/الليرة: لماذا اندلعت أزمة سعر الصرف؟

 بعد 22 عاماً من تثبيت الدولار/الليرة: لماذا اندلعت أزمة سعر الصرف؟

https://www.aljoumhouria.com/ar/news/598449/%D8%A8%D8%B9%D8%AF-22-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%AB%D8%A8%D9%8A%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%84%D8%B9%D8%AA-%D8%A7%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%B3%D8%B9%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B1%D9%81?utm_source=editor&utm_medium=web&utm_campaign=listnews


Friday, 04-Jun-2021 06:30

بعد 22 عاماً من تثبيت سعر صرف الدولار الأميركي الى الليرة اللبنانية منذ عام 1997 على معدّل 1507.5، كاد هذا الرقم يشكّل حقيقة ثابتة ورمز الثقة الوحيد بالإقتصاد اللبناني، وبات غير قابل للبحث، وكأنّ سعر الصرف على جزيرة نائية، لا يتأثّر بكل ما يدور حوله من تطوّرات تطاول مختلف المؤشرات الماكرو-إقتصادية وعوامل المخاطر الناتجة من غياب الاستقرار السياسي، التي تعتمدها مختلف مؤسسات التصنيف الدولية، لتقييم قدرة البلدان على سداد ديونها بالعملات الأجنبية...من هنا لا يزال السؤال المركزي في مختلف الأوساط يتمحور حول الأسباب العميقة لاندلاع ازمة سعر الصرف؟ والجواب المباشر: إذا أردتم أن تعرفوا ماذا جرى عام 2019، إبحثوا في ما حصل منذ العام 2011...

إنطلاقاً من الأدبيات العلمية الإقتصادية، من المعلوم أنّ تاريخ أزمات سعر الصرف عالمياً أتاح وفق المراحل تفسير أبرز أسبابها وعناصر تطوّرها من خلال «أجيال من النماذج» التي تأخذ في الاعتبار أصل الأزمات وعواملها ومحدّداتها الرئيسية.

في هذا السياق، تمّ تصنيفها وفق ثلاثة أجيال من النماذج وهي:

- نماذج الجيل الأول، الذي يفسّر الأزمات بملاحظة تدهور أساسيات الاقتصاد الكلي، أي تدهور شامل لمختلف المؤشرات الماكرو-إقتصادية بشكل جامع ومتراكم لسنوات (عجز مالي، تراجع في نمو الإقتصاد، عجز في ميزان المدفوعات...) بحيث يفقد الإقتصاد المعني ثقة مختلف العملاء الإقتصاديين به وبعملته...

- نماذج الجيل الثاني، التي تشرح حالات أزمة العملة، حيث يبدو أنّ المتغيّرات الأساسية للاقتصاد الكلي لم تتدهور؛ تنشأ هذه الأزمات من توقعات العملاء الإقتصاديين للتطور المستقبلي للمؤشرات في ما يتعلق بشكوك السوق، مما يخلق توازنات متعددة ؛

- نماذج الجيل الثالث، التي تخلق علاقة بين أزمات العملة والأزمات المصرفية. يمكن أن تؤدي أزمة العملة أيضًا إلى أزمة مصرفية إذا كانت المصارف الخاصة مثقلة بالديون بالعملة الاحتياطية.

 

في حالة لبنان وبمنهج تحليلي تسلسلي، يتبيّن أن نموذج الجيل الأول هو اكثر ما يفسّر إنفجار الأزمة النقدية وسعر الصرف عام 2019، بالنظر الى تراكم تدهور جميع المؤشرات الماكرو-إقتصادية وبشكل حاد ومتصاعد تحديداً منذ العام 2011.

 من هنا، يتبيّن أنّ أساسيات الاقتصاد الكلي تشرح تماماً كيف أنّ الفترة الممتدة بين عام 2011 وعام 2019 كانت تحضّر أزمة سعر الصرف على أفضل وجه، من خلال التدهور التراكمي المعمّم لجميع مؤشرات الاقتصاد الكلي في الماضي. ولبنان على وجه الخصوص منذ عام 2011، كما سنُظهر في هذا الإطار.

أزمة العملة «الجيل الاول»

بول كروغمان (1979)، كان رائداً في المفهوم النظري الأساسي لما يُسمّى بنموذج أزمة العملة «الجيل الأول». يوضح كروغمان من خلال نموذجه، أنّ نمو الإئتمان المحلي المرتبط بتمويل عجز الميزانية المزمن عن طريق الاقتراض من البنك المركزي (عن طريق طبع النقد)، يؤدي إلى انخفاض الاحتياطيات، ويجبر السلطات النقدية على التخلّي عن نظام أسعار الصرف الثابتة.

 

ويظهر، مع تساوي جميع العوامل الأخرى، أنّ الاحتياطيات تنخفض، لأنّ القطاع الخاص غير راغب في الاحتفاظ بالجزء المتزايد من القاعدة النقدية. النتيجة المنطقية التي يشرحها كروغمان، هي أنّه سيكون هناك هجوم مضاربات، بسبب التوسع المفرط في المعروض النقدي (التضخم)، ما يؤدي إلى استنفاد الاحتياطيات وبدء أزمة العملة.

 

وبالتالي، فإنّ الحفاظ على التكافؤ في سعر الصرف يؤدي بالبنك المركزي إلى السحب من احتياطياته لإعادة شراء عملته، متدخّلا في سوق القطع في حدود استنفاد احتياطياته، ما يضطر البنك المركزي إلى التخلّي عن أسعار الصرف الثابتة ومراقبة نظام سعر الصرف العائم.

وطبعاً، لا تتغيّر النتائج الأساسية للنموذج في حالة تمويل عجز الموازنة عن طريق إصدار الأوراق المالية بدلاً من طباعة النقد مباشرة.

 

في هذه الحالة، تؤدي خدمة الدين إلى زيادة تدريجية في العجز حتى يعبّر فيها القطاع الخاص عن رفضه الاحتفاظ بمزيد من سندات الدين. وقد يؤدي ذلك إلى لجوء السلطات إلى طباعة النقد لتمويل العجز المالي.

 

ويتلخّص تدهور المؤشرات الماكرو-إقتصادية وفق ثلاثة مرتكزات أساسية:

1) إنغماس الجهاز المصرفي في تمويل الدين العام المتنامي، والذي تمت دولرة ثلثه (اي أنّ ثلث الدين العام هو بالعملات الأجنبية)، ويحمل الجهاز المصرفي أكثر من نصف الدين بالعملات الأجنبية، فضلاً عن معظم الدين العام بالليرة اللبنانية..

2) الدولرة الثابتة والمرتفعة منذ الأزمة النقدية في لبنان في الثمانينات على الرغم من تثبيت سعر الصرف طيلة 22 عاماً.

3) التمسّك باعتماد نظام ربط سعر صرف الليرة اللبنانية بالدولار الأميركي بشكل متشدّد على معدّل 1507.5، بغض النظر عن أي تطوّرات في مختلف المؤشرات الماكرو-إقتصادية، لاسيما منها تراكم العجز الحاد لميزان المدفوعات منذ العام 2011، مما ساهم بنفاد إحتياطي البنك المركزي بالعملات الأجنبية.

أولاً، انغماس القطاع المصرفي في تمويل الدين العام، من خلال شراء سندات يوروبوند بقيمة 15 مليار دولار أميركي، وشهادات إيداع من مصرف لبنان بقيمة 52.2 مليار دولار (بلومبرغ)، والتي تُضاف إلى 17.5 مليار دولار كانت تشكّل الاحتياطي الإلزامي على الودائع بالعملات الأجنبية، أو ما يفوق 70 مليار دولار لدى مصرف لبنان من إجمالي الودائع بالعملات الأجنبية البالغة 120 مليار دولار.. تُضاف الى معظم الدين العام بالليرة اللبنانية الذي يحمله الجهاز المصرفي..

 

مما يجعل معظم الودائع موظفّة لدى القطاع العام من خلال القطاع المصرفي. كما أنّ معظم الودائع بالعملات الأجنبية عالقة في القطاع العام بين شهادات الإيداع بالدولار للمصرف المركزي وشراء اليوروبوند للدولة اللبنانية.. يعني أنّ المصارف منكشفة على القطاع العام بما يفوق ثلثي التوظيفات لديها، فيما تسليفاتها للقطاع الخاص تقلّ عن ثلث التوظيفات...

 

وعلى الرغم من مخاطر الاستدانة بالعملات الأجنبية خصوصاً، تظهر الأدبيات الإقتصادية ميل البلدان الناشئة والبلدان المشابهة لوضع لبنان الاقتصادي، الى الاستدانة بالدولار الأميركي لتتمكن من استقطاب تمويل من الأسواق الخارجية. من هنا اللجوء إلى إصدار سندات اليوروبوند للحصول على تمويل على الصعيد الدولي، كما لكون معدّلات الفوائد على سندات اليوروبوند عمومًا تكون أقل من معدلات الفائدة على سندات الخزينة بالعملة الوطنية (نظرًا لاختلاف عوامل المخاطرة) مما يساعد في تخفيض خدمة الدين. وهذا كان أساس هدف زيادة حصة الدين العام بالدولار الأميركي من مجموع الدين العام في لبنان.

 

ثانياً، الدولرة (نسبة الودائع بالدولار الأميركي من مجموع الودائع في لبنان)، التي بدأت في لبنان أثناء الأزمة النقدية في الثمانينات، بقيت مرتفعة على الرغم من تثبيت سعر صرف الليرة إزاء الدولار الأميركي طيلة 22 عاماً، الأمر الذي كان يفترض أن يعيد أكثر الثقة بالليرة اللبنانية ويخفّض معدّل الدولرة. علماً أنّ الدولرة في لبنان كانت ولا تزال خياراً تلقائياً للقطاع الخاص، القلق من تدهور سعر الصرف وخسارة القدرة الشرائية للعملة الوطنية، وقد بقي يحاول أن يحتمي بتحويل معظم مدخراته الى الدولار الأميركي، على الرغم من تثبيت سعر الدولار لسنوات... إلّا أنّ الدولرة غير الرسمية والجزئية المرتفعة، ترافقت مع إنشاء البنك المركزي لغرفة مقاصة بالعملات الأجنبية، كما سمح للمصارف بتعبئة الصراف الآلي بالدولار الأميركي، مما ساهم في تدفّق الدولار نحو السوق الموازي بشكل غير منضبط، وتمويل المضاربة على الليرة، كونه كان يُسمح لأي مقيم على الأراضي اللبنانية بإيداع مثلاً 150 ألف ليرة لبنانية في حسابه الجاري وسحبها مباشرة 100 دولار أميركي ورقاً، دون أي تدقيق، بسبب التحويل والسحب الورقي لعملة اجنبية لا يمكن طباعتها في لبنان!