lundi 5 avril 2021

خدمة الدين العام.. وكرة ثلجه!Wednesday, 10-Mar-2021 اقتصاد

 Wednesday, 10-Mar-2021 06:15

خدمة الدين العام.. وكرة ثلجه!


https://www.aljoumhouria.com/ar/news/583385/%D8%AE%D8%AF%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D9%88%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%AB%D9%84%D8%AC%D9%87?utm_source=editor&utm_medium=web&utm_campaign=listnews

من المعروف أنّ الدين العام اللبناني ارتفع منذ أوائل التسعينات تصاعدياً على شكل كرة ثلج، حتى بلغنا عدم استدامة المديونية العامة، وانتهى الأمر بإعلان العجز عن السداد.. ولكن ما هي أبرز العوامل التي عززت هذا المنحى، وتحديداً الى أي مدى كان لخدمة الدين دور أساسي في هذا الاتجاه؟ الإجابة عن هذا الموضوع تتطلّب قراءة مفصّلة وفق المراحل لمكوّنات الدين العام وهيكليته ووقع معدّلات الفوائد على نموّه، علماً أنّ هذه الفوائد جاءت بدورها نتيجة عوامل عدة، لا سيما منها عامل المخاطرة وغياب الإصلاح، فاتجهت الدولة الى الهروب نحو زيادة دولرة الدين لخفض خدمته.. ماذا في التفاصيل؟

 

في نهاية العام 1992 كان مجموع الدين العام الثابت المتوجب على الخزينة اللبنانية يعادل نحو 3 مليارات دولار أميركي منه 327.5 مليون دولار أميركي والمتبقي بالليرة اللبنانية. وباحتساب كلفة خدمة هذا الدين العام على أساس معدلات الفائدة السنوية المعتمدة لدى مصرف لبنان على مدى السنوات 1992 -2011 والمدفوعة من الخزينة اللبنانية، فإنّ تلك المبالغ المتوجبة في نهاية العام 1992 وبعد إضافة الفائدة المتجمعة على مدى كل سنة بين عامي 1992 و 2001 بلغت 30 ألف مليار ليرة لبنانية. كذلك سداد الدين بالدولار الأميركي بفعل تراكم الفوائد على رصيد الدين العام، ليصبح نحو ملياري دولار أميركي، ليتخطّى مجموع الدين المقوّم بالدولار حدود 22 مليار دولار.

 

كما ساهم تراكم العجز السنوي لمؤسسة كهرباء لبنان على مدى الفترة الممتدة من نهاية العام 1992 وحتى العام 2011، والذي اضطرت الخزينة اللبنانية إلى تغطيته وتسديده عن المؤسسة، بزيادة حجم الدين العام وخدمته. في حين كان حجم القطاع العام وعدم تحقيق الإصلاح المالي والاداري فيه يثقلان الخزينة، حتى تخطّت كلفته ثلث الموازنة، في حين لا تتجاوز حصته 10 الى 15% من الموازنة في مختلف بلدان العالم.

 

كما أنّ فترة ما بين عام 1992 و 2004، كانت فترة «إعادة إعمار لبنان ما بعد الحرب»، التي سعت فيها الدولة الى استقطاب أكبر قدر ممكن من التمويل، خصوصاً عبر الاستدانة، في غياب سبل التمويل الأخرى، نظراً لضعف الإيرادات العامة وضرورة ضبط خلق النقد، لاعتماد سياسة نقدية متشدّدة تحدّ من التضخم وتدهور سعر الصرف. وبعد فترة وجيزة بدأت الجهود لخفض تدريجي لسعر صرف الدولار إزاء الليرة اللبنانية، حتى اعتماد سياسة ربط الليرة بالدولار على أساس سعر الصرف 1507.5 بدءاً من العام 1997.

 

عملياً، كان من المتوقع أن يرتفع الدين خلال فترات النمو الاقتصادي الأقل من المتوسط. وعموماً، في بيئة منخفضة النمو، لا تزيد الإيرادات الحكومية كثيرًا، في حين أنّ النفقات العامة (خصوصاً في ما يتعلق بالإنفاق الاجتماعي و/ أو الإنفاق الرأسمالي) حيث تحتاج الحكومة إلى مزيد من التدخّل، وبالتالي تنفق المزيد لتحريك الاقتصاد. إلّا أنّ النمو يتوقف في اقتصاد مثقل بالديون في المقام الأول، لأنّ الرافعة المالية المرتفعة تهدّد قدرة الحكومة على تحديد أولويات الميزانية، ولكن أيضًا لأنّ الدين يميل إلى تقييد وظائف سياسة الدولة التي بدأت توجّه تباعاً تمويل الجهاز المصرفي نحو مزيد من تمويل القطاع العام، إن كان بالليرة اللبنانية أو بالدولار لأميركي.. وقد جعلت السياسة المالية للبنان وعبء الفوائد المدفوعة على ديونه غير مستدام. وأصبحت نسبة إجمالي الدين العام المستحق إلى الناتج المحلي الإجمالي في لبنان من بين أعلى المعدلات في العالم في عام 2006، حين بلغت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي ذروتها عند 183%. وبحلول عام 2007-2012، تراجعت النسبة تدريجياً لتصل إلى 131% في عام 2012، لتعاود ارتفاعها مع تدهور مجمل المؤشرات الاقتصادية إبتداء من العام 2011..حتى عادت اليوم تتخطّى من جديد معدل الـ180%.

 

منذ عام 2013 عاد المسار للدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في لبنان في اتجاه تصاعدي، حيث وصل إلى 153% في عام 2018. كما تراكمت في بلدان أوروبية أخرى مستويات دين عام تجاوزت ناتجها القومي. ومع ذلك، فإنّ ما يجعل دين لبنان ببساطة غير مستدام، هو عبء الفائدة المرتفع، وسط بيئة من النمو الضعيف، كما هو موضح في الجدول أعلاه.

 

تكوين الديون

معظم الدين اللبناني محلي (أي أنّ معظم المكتتبين هم من المقيمين، إن كان بالليرة أو بالعملات الأجنبية)، علماً أنّ التقارير اللبنانية تسمّي «ديناً داخلياً» الدين بالليرة اللبنانية و»ديناً خارجياً» الدين بالعملات الأجنبية، وتحديداً الدولار الأميركي أي «يوروبوند»، حتى لو كانت في محفظة المقيمين. فيما علم الاقتصاد يسمّي «ديناً داخلياً» السندات الموجودة في محفظة عملاء مقيمين، و»ديناً خارجياً» فقط السندات الموجودة في محفظة عملاء غير مقيمين. أي في وضع لبنان، اليوروبوند الموجودة في محفظة عملاء غير مقيمين، لا تُحتسب ضمنها اليوروبوند الموجودة في محفظة العملاء المقيمين (مثل الجهاز المصرفي اللبناني).

 

في الواقع ، يحمل الجهاز المصرفي معظم الدين المحلي، إن كان سندات الخزينة بالليرة اللبنانية أو السندات بالدولار اليوروبوند، على المدى القصير والمتوسط، كما السندات طويلة الأجل. وقد تطوّر الدين وخدمته بين الليرة والدولار وفق الجدول المرفق.

 

الإقتراض الكبير

في بداية فترة إعادة الإعمار التي أعقبت الحرب، إعتمدت الحكومة اللبنانية على السوق المحلية للاقتراض، وتكلفة إعادة بناء القدرات البدنية والبشرية للبنان بعد الحرب الأهلية 1975-1990.

 

إرتفع الدين العام إلى 7 مليارات دولار بحلول عام 1994، وهو ما يمثل نموًا سنويًا بنسبة 67%. بين عامي 1993 و 2001، اعتمدت الحكومة اللبنانية في البداية على الاقتراض الكبير من السوق المحلية، وبالتالي جمعت مزيداً من الديون بالعملة المحلية، لتلبية متطلبات التمويل الإجمالية. وقد شكّل الدين العام بالليرة اللبنانية في تلك المرحلة 81.3% من إجمالي الدين بنحو متوسط، مع ارتفاع تكاليف الاقتراض نظراً لعامل المخاطرة.

 

منذ عام 2002 إلى عام 2008، اكتسبت الديون بالعملات الأجنبية زخمًا بارزاً، يعكس نجاح لبنان في الاستفادة من أسواق رأس المال الدولية، لا سيما مع مؤتمرات الدعم الدولية للبنان. وقد شكّلت الديون بالعملات الأجنبية، في المتوسط 49.1 % من إجمالي الدين من 2002 إلى 2008.

 

في عام 2009، شكّل الدين العام بالليرة اللبنانية 58.3% من إجمالي الدين والباقي بالعملات الأجنبية. ومن 2010 إلى 2018 استحوذ معدل الدين بالليرة اللبنانية على نحو 60.25% في شكل متوسط. فيما بدأ الإتجاه بدءاً من العام 2016 الى خفض خدمة الدين العام، من خلال استبدال تدريجي لجزء من الدين بالليرة الى دين بالدولار، بالاعتماد على الهندسات المالية لوزارة المال والمصرف المركزي والمصارف اللبنانية، وهي المموّل الرئيسي للدولة اللبنانية.

 

حالياً، تخطّى الدين العام حدود الـ 95.5 مليار دولار في نهاية العام 2020 (موزع بين 62.26% بالليرة اللبنانية و37.34% بالدولار الأميركي)، وتراجع تصنيف الدين السيادي لدى الوكالات الدولية (فيتش، موديز، ستاندر أند بورز) الى أدنى المستويات، وبات لا بدّ من تفنيد أبرز مكوّناته والعوامل المؤثرة بتزايده، لا سيما منها الكلفة المرتفعة للدين، والتي بات لبنان يستدين لإيفائها...

 

والمعلوم أنّ وكالة «موديز» أظهرت أنّ تصنيف لبنان بات الأدنى في تصنيفات الوكالة، وهو يعكس توقعات «موديز»، أنّ الخسائر التي سيتكبّدها حاملو السندات ستفوق 65% من إجمالي قيمة استثماراتهم في السندات التي أصدرتها الدولة. وقد بيّنت في آخر تقرير لها في نهاية العام 2020، أنّ من غير المرجح تغيير التصنيف الحالي للبنان، قبل إعادة الهيكلة، نظراً لحجم الاقتصاد، والتحدّيات المالية والاجتماعية، وتوقعاتنا لخسائر كبيرة جداً». وأوضح تقرير الوكالة، أنّه من دون اتخاذ خطوات لإصلاح الاقتصاد والأوضاع المالية، فإنّ دعم التمويل الخارجي الرسمي لمساندة هيكلة الديون لن يكون متاحاً بسهولة.

 

كرة الثلج

في ظلّ ظروف الأزمة المالية والدين العام غير المستدام، شهد لبنان زيادة في الفائدة على الدين العام في شكل تأثير «كرة الثلج»، ساهمت في غياب الإصلاح المالي الفعلي، الى جوانب عوامل إقتصادية أخرى، لا سيما منها تدهور المؤشرات الماكرو-اقتصادية منذ العام 2011 في شكل أساسي، الى انفجار أزمة الدين العام وتفشيها، الى الجهاز المصرفي المموّل الرئيس للدولة، كما ساهم أيضاً في فقدان الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها لسداد ديونها. كما نشهد «ضريبة تضخمية»، حيث يوفّر التضخم إيرادات ضمنية للدولة، عن طريق خفض الدين العام القائم بالعملة الوطنية.

 

على الرغم من أنّ دراسة استدامة الدين العام ترتكز عموماً على مؤشّر الدين العام/الناتج المحلي، وهو يتخطّى في لبنان عتبة 176% في نهاية عام 2019، فيما وفق المعايير الدولية، تتطلّب استدامة الدين أن لا يتخطّى هذا المعدل 60% إلى 80% من الناتج المحلي الإجمالي. إلّا أنّ تسليط الضوء، خصوصًا على الدين بالعملة الأجنبية، فيعود لأنّ لبنان قادر نظريًا في أقسى الحالات، على اللجوء الى المصرف المركزي لطباعة العملة الوطنية وتسديد الدين بالليرة اللبنانية، حتى لو أدّى ذلك الى مزيد من التضخّم. إلّا أنّ الأزمة الكبرى تبقى في الدين بالعملة الأجنبية، التي تحتاج الى توافر العملة الأجنبية وتأمين استمرارية إستقطابها، في حين أنّ لبنان يشهد تدهورًا في ميزان المدفوعات (ما عدا كمية الدولارات التي اجتذبتها المصارف للمشاركة في الهندسات المالية خصوصًا عام 2016، لشراء اليوروبوند وشهادات إيداع المصرف المركزي بالعملة الأجنبية).

 

فوائد سندات خزينة باهظة مطلع التسعينات

المعروف، أنّ معدل سندات الخزينة لمدة سنة، الذي استقرّ من آذار 2012 حتى كانون الأول 2019 على معدل 5.35%، وهو معدل الفائدة الذي ترتبط به معدلات الفائدة للقروض السكنية، إن كان القروض المدعومة من مصرف لبنان مباشرة أو تلك الممنوحة من خلال مؤسسة الإسكان، بعد انخفاضات متتالية عن مستويات مرتفعة بلغت ذروتها نحو 38% في شهر أيلول من العام 1995...ولكن اضطرت الدولة الى رفعه الى 6.5% مطلع عام 2019، بعد صعوبة ايجاد مكتتبين في سندات الخزينة، مع ارتفاع درجات المخاطرة عليه وطول مفاوضات مع الجهاز المصرفي في شأنها... الى أن صدر قرار بخفضها الى 4.5 % أخيراً في نيسان 2020 لخفض خدمة الدين العام...

 

ولطالما كانت معدلات الفائدة المعتدلة تبقى مرتبطة بعوامل عدة وليس بمجرد قرار مركزي! ومن أبرز هذه العوامل المؤثرة بمستوى الفوائد:

 

أولاً، «مخاطر البلد»، وهو عنصر مهم وأساسي، يمنع تراجع معدّلات الفوائد بنحو ملحوظ، على الرغم من أنّ المصرف المركزي استمر في دعم القروض بفوائد مخفضة، وخصوصاً للاستثمار العقاري وللقطاعات الإنتاجية المختلفة.. ولكن في موازاة ذلك، تدرس الوكالات الدولية لتصنيف المخاطر، وضع كل بلد وفق مؤشراته الاقتصادية وغير الاقتصادية المؤثرة على اقتصاده (وطبعاً من أبرزها إستقراره السياسي)، مما ينعكس بنحو حاسم على تحديد معدلات الفائدة. أضف إلى ذلك، إنّ رفع المصرف المركزي الأميركي معدلات الفائدة لعام 2017، زاد الضغط على معدلات متوسطة الأجل.

 

وقد أصبح معدّل الفوائد على سندات الخزينة «معدل فائدة رئيسياً»، أي المؤثر في مجمل هيكلية الفوائد الدائنة والمدينة في لبنان. وبالتالي، كلما ارتفع عامل المخاطرة تضطر الخزينة الى زيادة الفائدة كتعويض عن عامل المخاطرة، لإقناع المستثمرين بالاكتتاب في سنداته. وهنا يلاحظ وجود عاملي مخاطرة: عامل مخاطرة البلاد، الذي يجعل من الضروري رفع الفائدة على سنداتها بأي عملة كانت، وعامل مخاطرة العملة الذي يجعل الفائدة على سندات الليرة اللبنانية أعلى من الفائدة على السندات بالعملات الأجنبية اليوروبوند. وهذا ما دفع الدولة الى زيادة دولرة الدين، أي حصة اليوروبوند من مجمل الدين، على الرغم مما تحمله زيادة الدين بالدولار من خطر عدم القدرة على السداد، في حين أنّ الدين بالليرة يمكن في أقسى الحالات سداده عبر اللجوء الى طبع النقد وتحمّل التضخّم الناتج منه. كذلك، ترتفع الفوائد الإسمية مع ارتفاع التضخم، لكي يبقى معدل الفوائد الفعلية إيجابياً، لتستمر عملية الإقراض، أي حتى لا يخسر المقرض القدرة الشرائية للأموال لحظة السداد.. فضلاً عن سعي الدولة في السنوات الأخيرة الى رفع الفوائد لاجتذاب الرساميل، ثم العمل على توظيف جزء كبير منها في تمويل الدولة المديونة والمضطرة الى الاستجانة لتسديد ديونها السابقة، في ظلّ تراكم العجز المالي على شكل كرة ثلج، لا بل المرور في فترات عجز مالي أولي، أي العجز المالي بين الإيرادات والنفقات، من دون حتى احتساب خدمة الدين.

 

يبقى أنّ ثمن «إطفاء» الدين العام بالعملة الوطنية، عبر طباعة النقد من جهة والإعلان عن التخلّف عن سداد ديون العملات الأجنبية من جهة أخرى، ينعكس تراكماً في الخسائر في النظام المصرفي كممّول رئيسي للدولة... وبعد نفاد كل وسائل إدارة الأزمة وتأجيل انفجارها، لم يعد من سبيل للخروج من المأزق سوى بمعالجة جذرية وإصلاح مالي شامل

mercredi 3 février 2021

أين إعادة الودائع من إعادة رسملة المصارف؟...Wednesday, 03-Feb-2021

 

أين إعادة الودائع من إعادة رسملة المصارف؟

https://www.aljoumhouria.com/ar/news/576235/%D8%A7%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%8A%D8%B9-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%B1%D8%B3%D9%85%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%A7%D8%B1%D9%81?utm_source=editor&utm_medium=web&utm_campaign=listnews

Wednesday, 03-Feb-2021 

إستقطبت المتابعين للوضع المصرفي في لبنان قضية إعادة رسملة المصارف وإعادة هيكلة القطاع وإعادة النظر بانخراطه في تمويل الدولة، فيما الهاجس الأساسي للناس يكمن في كيفية إعادة الودائع! فما هي أهمية استحقاق زيادة رسملة المصارف وزيادة احتياطاتها لدى المصارف المراسلة؟ وأين «يصرف» المودعون حصيلة كل التعاميم المتلاحقة؟ إنّ القراءة المتأنية تتطلّب تحديد إشكالية أزمة ودائع الناس لدى المصارف وأزمة المصارف في توظيفاتها من جهة، ثم تحديد مدى انعكاس الاجراءات الجديدة على تخفيف المخاطر عن المودعين أو المساهمة في تحسين الدفاع عنها من جهة أخرى.

 

أمام عتبة استحقاق شباط 2021 الذي يوجِب على المصارف، وفق تعاميم المصرف المركزي، توفير سيولة بنسبة 3% من ودائعها بالعملات الأجبنية لدى المصارف المراسلة وزيادة رأسمالها بنسبة 20%، لا بد من التذكير أنّ النشاط المصرفي بمجمله لقانون التجارة (1942) ولقانون النقد والتسليف (1963)، وأنّ المصارف والمؤسسات المالية الأخرى في لبنان تعمل تحت إشراف مصرف لبنان، أي المصرف المركزي الذي يشكّل السلطة النقدية الناظمة لعمل المصارف في البلاد. فالمصرف المركزي هو مصرف المصارف ومصرف الدولة في آن، وهو الذي يمنح الترخيص لإنشاء مصارف جديدة، ويحدّد مجال عملها، ويرسم أصول المهنة ويفرض القواعد الاحترازية التي ينبغي أن يعتمدها القطاع.

 

أما الهيئة الرقابية فتتمثّل في لجنة الرقابة على المصارف التي أُنشئت في العام 1967، والتي تتولّى مراقبة نشاط المصارف، وتتأكّد من حسن تطبيق القوانين والأنظمة المرعية.

 

ولقد ازدهر القطاع المصرفي في ستينات القرن العشرين، وهي المرحلة التي شهدت انطلاقة هذا القطاع وانتعاشه، إلى أن حصلت أزمة بنك انترا (1966).

 

وقد أعقبتها فترة الإزدهار النسبي قبل تجمّع عوامل أزمة الثمانينات التي اقتصرت على التضخّم المفرط وتدهور سعر صرف الليرة، كون المصارف لم تكن بعد غارقة في تمويل القطاع العام العاجز عن التسديد، لا سيما في العملة الأجنبية، كما أصبحت عليه الحال تِباعاً منذ منتصف التسعينات، وبدأ انكشافه مع تراكم عجز ميزان المدفوعات وتقلّص الدولارات في البلد وانغماس القطاع المصرفي في استقطابات الدولار لتمويل كّل من الدولة (عبر الاكتتاب بالأوروبوند) وحاجات المصرف المركزي (عبر شراء شهادات الايداع بالدولار الأميركي لتعزيز احتياطي مصرف لبنان بالدولار، الضروريين لاستمرار الدفاع عن ربط سعر الصرف بحدود 1507.5، بغضّ النظر عن كل تدهور المؤشرات الماكرو-اقتصادية وعجوزات ميزان المدفوعات، وإن لتلبية احتياجات الاستيراد في بلد يشكّل فيه الاستيراد أكثر من 80% من الاستهلاك، ويتم فيه تعويم نمط عيش أعلى من إمكانية معظم المواطنين بين مروحة القروض التي تم إغراق معظم المواطنين فيها بالدولار الأميركي لشراء السيارات والمفروشات والسفر والسياحة، وحتى عمليات التجميل... من دون أدنى تحذير لهم نظراً لأنّ معظمهم من أصحاب الرواتب المتواضعة بالليرة اللبنانية، التي يستحيل أن تصمد إزاء أي تدهور في سعر الصرف. وها هي السلطات النقدية قد اضطرت لفرض استمرار تسديدها حتى اليوم على أساس سعر الصرف 1507.5..)، فباتت المصارف في المقابل عاجزة عن استرداد دولاراتها الموظف منها لدى الدولة على شكل يوروبوندز، أو لدى المصرف المركزي على شكل شهادات إيداع بالدولار، أو لدى هذه الشرائح من القطاع الخاص من مواطنين اقترضوا بالدولار وبالكاد رواتبهم بالليرة تسمح لهم التسديد على سعر الصرف القديم.

 

الانكشاف السيادي للمصارف اللبنانية

أبعد من سندات اليوروبوندز التي تحملها المصارف اللبنانية بالدولار الأميركي واليوروبوندز التي يحملها المصرف المركزي، من الضروري الإشارة الى أنّ الجهاز المصرفي اللبناني لديه مصادر قلق أخرى من الانكشاف السيادي. فبالإضافة إلى اليوروبوندز التي يحملها القطاع المصرفي، تُظهِر أرقام وكالة «بلومبرغ» أن المصارف اللبنانية اشترت شهادات إيداع بالدولار الأميركي من المصرف المركزي حتى باتت عليه التزامات بقيمة 52.5 مليار دولار على شكل ودائع بالعملات الأجنبية وشهادات إيداع بالدولار الأميركي يعود معظمها الى المصارف اللبنانية، أي أنها توظيفات من مجموع مدّخرات المودعين اللبنانيين بالعملات الأجنبية. وعلى رغم أنّ القليل من شهادات الايداع يستحق هذا العام أو العام المقبل، فإنّ أكثر من 8 مليارات دولار تستحق في 2022 و2023.

 

كذلك، من المفيد الاشارة الى أنّ معدل الاحتياطي الالزامي على الودائع بالعملات الأجنبية لدى المصارف هو 15%، ما يعني أنّ مقابل مجموع الودائع بالعملات الأجنبية لدى المصارف، التي انخفضت من 120 قبل اندلاع الأزمة الى حوالى 112 مليار دولار اليوم، انخفضت الحاجة الى الاحتياطي الالزامي لدى مصرف لبنان من 18 الى 17 مليار دولار (15% من الودائع بالدولار الأميركي) على شكل احتياطي إلزامي بالعملات الأجنبية، تُضاف الى الأعباء بالعملات الأجنبية التي يفترض أن تكون لدى المصرف المركزي إمكانية تغطيتها (علماً أنّ معدل الاحتياطي الالزامي هو 25% على الودائع الجارية بالليرة اللبنانية و15% على الودائع المجمّدة بالليرة اللبنانية).

 

القروض المتعثّرة للمصارف وجمود النشاط الاقتصادي

الى جانب الانغماس بالانكشاف على الدين السيادي للدولة وشهادات الايداع بالعملات الأجنبية، تواجه المصارف اللبنانية مخاطر انعكاسات جمود النشاط الاقتصادي وتوقّف الطلب على التسليفات، كما توقف تدفّق الرساميل من الخارج وزيادة الودائع في الداخل، والتوجّه المعاكس نحو تقليصها أكثر من قبل أصحابها الى الحد الأدنى الممكن، إن من خلال استخدامها لسدادٍ مُسبَق لتسليفاتهم أو السحوبات المستمرة بالدولار الأميركي في بداية الأزمة كما بالليرة اللبنانية حالياً ولو على سعر المنصة 3900، أو حتى من توجّه كثيرين الى ما يُعرف بأدوات الحماية من المخاطر عبر شراء الذهب أو الاستثمار العقاري.. علماً أنّ لهذا الأخير إيجابيات كثيرة، لا سيما في تسييل عقارات كانت مجمّدة بفعل الأزمة فيما أصحابها مديونون للمصارف ويهمّهم إطفاء أكبر جزء من ديونهم ولو بشيكات مصرفية، بغض النظر عن إمكانية سحبها نقداً.

 

من هنا، تفتح الأزمة الاقتصادية باب مخاطر القروض المتعثّرة لدى المصارف، والتي لا تقلّ أهمية عن مخاطر الانكشاف السيادي، مع الاشارة الى أن التسليفات المصرفية بالعملات الأجنبية للقطاع الخاص اللبناني تتراوح بحدود 30 مليار دولار، وتسعى تعاميم المصرف المركزي على احتوائها من خلال العمل على وضع سقوف على الفوائد الدائنة، وتخفيض الفوائد المدينة بشكل مباشر، وتوجيه المصارف لإعادة هيكلة الديون المتعثّرة عبر إطالة الأجال، وإعادة النظر بالشروط الى جانب الالتزام بالتعاميم الجديدة الصادرة عن المصرف المركزي، والتي تنص على تخفيض معدلات الفوائد...

 

كما أنّ الإجراءات الحالية من ضبط حركة الرساميل بسبب الأزمة في غياب نص قانوني جامع وضوابط موحّدة، جمّدت كلياً إقدام غير المقيمين وحتى المغتربين عن إرسال التحاويل، لا بل أدت الى قلق المقيمين على ودائعهم، إن كان بالعملات الأجنبية أو حتى بالليرة اللبنانية، ما يدفعهم يومياً الى نشاط مصرفي باتجاه واحد هو سحب الأموال وتخزين الأوراق النقدية إن كان بالدولار أو حتى بالعملة الوطنية، ما ينسف النظام المصرفي ككل ويدفع باتجاه الاقتصاد النقدي cash economy، فيضرب إمكانية استعادة المصارف دورها في التسليف أيّاً كانت شروطها لافتقاد ثقة العملاء بإيداعها مدّخراتهم.

أزمة السيولة بالدولار وتراكم عجز ميزان المدفوعات وازدواجية سعر الصرف

تعتمد المصارف اللبنانيّة على حساباتها لدى المصارف المراسلة في الخارج (القطاع المالي غير المقيم) لشراء الدولارات الورقيّة وشحنها إلى لبنان، لتأمين السحوبات النقديّة لزبائنها. كما تعتمد المصارف على هذه الحسابات لسداد ديونها في الخارج، وإجراء الحوالات لعملائها، خصوصاً بعد تشدد مصرف لبنان في استعمال الاحتياطي المتوفّر لديه من العملة الصعبة.

 

وتبيّن الميزانيّات المجمّعة للمصارف اللبنانيّة أنّ هذه المصارف خسرت خلال عام 2019 وحده ما نسبته 43.56% من قيمة حساباتها لدى القطاع المالي غير المقيم (أي المصارف المراسلة)، فضلاً عن انعكاس أثر السحوبات النقديّة الكثيفة والمستمرّة منذ 17 تشرين الأوّل 2019. وكان واضحاً أنّ استمرار المصارف في توفير السحوبات النقديّة لعملائها بالدولار سيكون مسألة متعذّرة خلال الفترة المقبلة، إلا إذا سمح مصرف لبنان باستعمال الاحتياطي الذي يملكه من العملة الصعبة لهذه الغاية، والذي يمثّل كما سبق وذَكَرنا جزءاً من ودائع المصارف بالعملات الأجنبية لديه عبر شرائها لشهادات الايداع بالعملات الأجنبية...

 

وعلى خط مواز، وحتى قبل اتخاذ الإجراءات المكبّلة لحركة الرساميل، كان لبنان يعاني في السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ العام 2011، انقلابَ وضعِ ميزان المدفوعات وتحوّله الى سلبي بشكل مستمر مع تراجع ميزان الرساميل وعدم إمكانيته التعويض عن العجز الهائل في الميزان التجاري الذي تخطى سنوياً 17 مليار دولار أميركي.

 

هذا التراجع في استقطاب العملات الاجنبية وعجوزات ميزان المدفوعات كانا يضغطان بشكل متزايد على سوق القطع، الذي يعتمد منذ عام 1997 على ربط سعر صرف الليرة اللبنانية بالدولار الأميركي على أساس 1507.5 ليرة للدولار. إلّا أنّ انفجار الأزمة ومحدودية الاحتياطي بالعملات الأجنبية وأولويات استخدامه بين تلبية استحقاقات داهِمة بالدولار الأميركي قبل بَت إعادة هيكلة الدين العام وتمويل استيراد مواد أساسية من قمح ودواء ولوازم طبية ومشتقات نفطية، في ظل تزايد الطلب على الدولار في السوق، جَمّد إمكانية الصرف في القطاع المصرفي الذي أبقى على السعر الرسمي 1507.5 من دون إمكانية التحويل في المصارف ولا التحويل الى الخارج، حتى تضاعَف الطلب على الدولار لدى الصرافين، وأفلتَ السوق من إمكانية ضبطه فظهرَ سعراً موازياً للدولار أعلى من السعر الرسمي، فتهاوى معه الهدف الأساسي للمصرف المركزي المتمثّل بحماية القدرة الشرائية والاستقرار النقدي من تقلبات سعر الصرف وموجات التضخم.

 

أفق مخارج الأزمة وانعكاساتها على المودعين

بين تعاميم البنك المركزي لزيادة الرسملة وزيادة السيولة لدى المصارف المراسلة بنسبة 3%، قد تتمكن بعض المصارف من تعزيز وضعها في السوق، لا سيما تلك التي تبيع أصولها في الخارج. لكنّ التعاميم تسمح بإعادة تقويم العقارات التي تملكها المصارف كجزء من موجوداتها الأساسية والموجودات التي استحوذت عليها من المقترضين مقابل القروض المتعثّرة، واستعمال الارتفاع في قيمة العقارات لتحقيق الزيادة المطلوبة في الرساميل، ما يجعل تحقيق زيادة الرساميل مسألة دفتريّة ومحاسبيّة لا تحقق أي تغيير في سيولة المصارف وقدرتها على سداد التزاماتها للمودعين حالياً بانتظار تحسّن وضع القطاع العقاري والتمكّن من تسييلها.

 

أمّا عجز المصارف في التزاماتها لدى المصارف المراسلة في الخارج، فيجعل من الصعب عليها تحرير فائض من زيادة السيولة لإحداث أي حَلحلة لجهة تحرير ودائع زبائنها بالدولار الأميركي.

 

أما عودة الانتظام إلى القطاع فتتطلّب خطة متكاملة على مستوى الحكومة، وتحديد الخسائر المنتظرة في القطاع والطريقة العادلة لتوزيعها من جهة أخرى، على أن تكون عمليّة إعادة هيكلة المصارف وإعادة رسملتها إحدى أجزاء هذه الخطة الكاملة.

 

هذه الخطة تتطلّب إعادة هيكلة القطاع المصرفي وإعادة رسملته، مع التشديد على ضرورة الضخّ المباشر للأموال في رؤوس أموالها من المساهمين، علماً أنّ هوية المساهمين وإمكاناتهم وإرادتهم لها تأثيراتها الأساسية في إمكانية تحقيق هذه الخطوة، فضلاً عن إمكانية دخول المستثمرين الجدد في المرحلة التالية، ما يجعل إعادة هيكلة القطاع أمراً ملحّاً قبل التوجّه الى مستثمرين جدد أو حتى لاستمزاج كبار المودعين بالمساهمة في زيادة الرساميل، ليكون معروفاً أي مصارف، أو بالأحرى أي مجموعات مصرفية، ستكون محتلّة المشهد الجديد للقطاع.

 

وإذا كانت أبرز التحديات المستقبلية أمام المصارف اللبنانية تكمن في اكتساب الثقة لاسترجاع الأموال المخزّنة في المنازل من جهة وإعادة استقطاب الرساميل من الخارج، فمن المعروف أنه يصعب استعادتها من الكثير من المصارف الموجودة حالياً بعد اهتزاز العلاقة بين طرفي العقد من مصارف ومودعين، والمسألة باتت تتطلّب مشهداً جديداً قادراً بأن يوحي بالفرق ويحقّقه فعلاً.

 

ولكن حتى لو لم تكن عمليات الدمج والاستحواذ كافية في القطاع المصرفي، فالأساس يبقى في التقويم العلمي الحقيقي لواقع أصول المصارف لتحديد المصارف ذات المخاطر الكبرى وغير القابلة على الاستمرار، كما تحديد المصارف المتمكّنة ضمن مجموعات مصرفية ذات رسملة جيدة ولو استعانت بمساهمة من كبار مودعيها لتعزيز رسملتها ومكانتها في السوق، ووضع الآلية المناسبة لإيفاء الدولة الالتزامات تجاهها بعد وضع أطر إعادة هيكلة الدين، طالما من المرجّح أنها لا تزال تحمل سندات خزينة وشهادات إيداع لدى المصرف المركزي. وذلك يكون من خلال برامج إشراك المصارف في المرافق الحيوية للدولة لاستعادة كامل الأموال المستثمرة من قبلها لدى الدولة المتعثّرة، وهي أموال المودعين، فيكون بذلك تحقق الإصلاح باتجاهين: الاتجاه الأول عبر وضع برنامج واضح لإعادة حقوق المصارف والمودعين، والاتجاه الثاني هو إنقاذ المرافق العامة عبر إشراك القطاع الخاص بكل فعاليته وإنتاجيته في ملكيتها وإدارتها بما يحسّن كل نوعية أدائها.

 

للمرة الأولى يطرح ملف إعادة هيكلة القطاع المصرفي باتجاه البناء الصلب لقطاع متين بمؤسسات شفافية وفعالة بعيدة عن كثافة الأسماء والمنافسة غير الجديرة وأوهام الفوائد المضخّمة والأرقام غير الواقعية وتوجيه الادّخار نحو تمويل قطاع عام عاجز في ظل اختناق قطاع خاص... فهل يكون كل ذلك فرصة لاستعادة الثقة ببناء متين يستحق تحمّل الكلفة وعناء الصبر لاستعادة الحقوق؟

بين استدامة الدين العام وتمويله من الجهاز المصرفي...Monday, 18-Jan-2021

 بين استدامة الدين العام وتمويله من الجهاز المصرفي...

Monday, 18-Jan-2021 
https://www.aljoumhouria.com/ar/news/572873/%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D9%88%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84%D9%87-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%81%D9%8A?utm_source=editor&utm_medium=web&utm_campaign=listnews

تتطلب قراءة بداية الأزمة تعميق الاقتران بين الظواهر المختلفة التي هيّأتها والقيود التي طغت على السياسة النقدية طوال الفترة السابقة، بما في ذلك على وجه الخصوص عدم استدامة الدين العام، والذي يمثل ثلثه الدولار الأميركي، والذي يحتفظ به إلى حد كبير في النظام المصرفي اللبناني، الدولرة القوية للاقتصاد اللبناني بأكمله بعد الحرب والتي استمرت على الرغم من تثبيت سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة اللبنانية عند 1507.5، والتدهور الحاد في ميزان المدفوعات منذ عام 2011 ونتيجة لذلك تَنامي العلاقة بين الودائع بالدولار والموجودات بالعملات الأجنبية في النظام المصرفي - أي تلك التي تحتفظ بها المصارف مع مراسليها الأجانب لتسوية المعاملات بالعملات الأجنبية واحتياطيات النقد الأجنبي للبنك المركزي. فعلام تم الاستناد لدولرة الدين العام تدريجاً وزيادة طبع النقد؟ وكيف انعكست كل هذه الخيارات على الجهاز المصرفي؟ وأي خلاصات للمستقبل؟

من المعروف أنّ المَيل لدولرة جزء متزايد من الدين العام يستند على كون إصدار سندات اليوروبوندز يتم بأقل فائدة من تلك المعتمدة لسندات الخزينة بالعملة الوطنية (نظراً لهامش المخاطرة بين العملتين).

وتجدر الإشارة إلى أنّ الدول الناشئة التي تلجأ إلى زيادة حصتها من الديون بالعملات الأجنبية لتقليل تكلفة خدمة الدين وتأمين المشتركين في الأسواق الخارجية، مثل لبنان، لا تستطيع بسهولة جذب الدولار، خاصة إذا كانت الدول تعتمد على الواردات وكانت صادراتها منخفضة... فيتعيّن عليها بالتالي جذب تدفقات النقد الأجنبي باستمرار حتى تتمكن من تسوية ديونها الخارجية على أساس السياحة وجذب رأس المال والاستثمار الأجنبي، على الأقل من المغتربين. وبالتالي، فإنّ فائض ميزان الرساميل يجب أن يعوّض باستمرار العجز التجاري التقليدي للحفاظ على توازن إيجابي لميزان المدفوعات الذي شهد عجوزات متراكمة في لبنان منذ عام 2011، لا سيما منذ اندلاع الأزمة في سوريا عام 2019.

 في الوقت نفسه، كلما زادت مخاطر سداد الدين العام في أعين وكالات التصنيف الدولية (فيتش وموديز وستاندرد آند بورز)، كلما تدهور التصنيف السيادي الممنوح لسندات اليوروبوندز اللبنانية (وهي بالدولار الأميركي)، ما يتطلّب زيادة أخرى في أسعار الفائدة لإقناعها الدائنين المستقبليين للاشتراك في الإصدارات الجديدة، ما يساهم في نمط يعرفه بونزي بالتوازي مع الحفاظ على تأثير سقاطة الدولرة مدعوماً بذاكرة الأزمة السابقة في الثمانينات والفارق المنخفض في العائد بين الجنيه الدولار اللبناني والدولار الأميركي، بالإضافة إلى عجز تراكمي في ميزان مدفوعات لبنان منذ بداية الأزمة في سوريا عام 2011، ممّا نتج عنه تدفّق صافٍ سنوي للعملة الأجنبية من البلاد ما حَدّ من هامش التدخل.

البنك المركزي في السيطرة على استقرار الصرف

من المعروف أنه في بيئة «استنسابية»، من الممكن بشكل خاص للحكومة إعادة تحسين سلوكها والحفاظ على معلومات أكثر من القطاع الخاص الذي يتوقّع سياسة نقدية متساهلة. تتعدد أسباب التراخي النقدي المتوقّع بين خلق فرص التوظيف، التمويل النقدي لعجز الميزانية عن طريق خفض قيمة العملة أو تحقيق التوازن الخارجي عن طريق تخفيض قيمة العملة بشكل تنافسي.

بالنسبة للبنان، كان اللجوء إلى التراخي خلال سنوات الحرب يرجع بالدرجة الأولى إلى التمويل النقدي لعجز الميزانية بسبب تدهور إيرادات الموازنة في ما يتعلق بزيادة الإنفاق خلال هذه الفترة الاستثنائية وغياب التحصيل الفعّال لجميع الضرائب والرسوم، وفي غياب الاحتمالات الواسعة للجوء إلى الديون في حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي لا يشجّع على اكتساب الثقة في المَلاءة المالية للدولة في نظر أي مُقرض مقيم أو غير مقيم. ثانياً، كان التساهل النقدي خلال سنوات الحرب اللبنانية مدفوعاً بإحياء النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل في ظل تدهور النشاط في مختلف القطاعات الاقتصادية التي تأثرت بشدة في الأحداث. بعد الحرب، شهد لبنان حالة من المديونية المفرطة، ومنها جزء متزايد بالدولار الأميركي وسياسة جذب رؤوس الأموال بالعملة الأجنبية لتزويد الاحتياطي الأجنبي لمصرف لبنان بقدرته على الحفاظ على ربط سعر الصرف.

 

وقد ظل الوضع مقبولاً حتى عام 2011 عندما اندلع الصراع في سوريا وتدفق مئات الآلاف من اللاجئين على لبنان مع تدهور النمو الاقتصادي وبدء منحى تراكم عجز ميزان المدفوعات. منذ عام 2011، ارتفعت نسبة الدين العام/الناتج المحلي الإجمالي بشكل مستمر لتتجاوز 176 % في نهاية عام 2019 مع تدهور وضع المالية العامة وزيادة الدين العام مع تراجع معدل النمو الاقتصادي من حوالى 8.5 % في 2011 إلى أقل من 1 % في نهاية 2019. في الواقع، يظهر التفاوت الكبير في أوضاع الدين العام عبر العالم صعوبة تحديد عتبة لإفلاس أو عدم استدامة المالية العامة، ويتعلق اثنان من «معايير ماستريخت» الخمسة بالمالية العامة: سقوف بنسبة 3 % من الناتج المحلي الإجمالي للعجز العام و60 % من الناتج المحلي الإجمالي للدين العام.

وقد أظهرت الدراسات أنّ حافز مفاجآت التضخم يزداد مع زيادة حجم الدين العام. من هذا المنظور، يمكن للدين العام أن يواجه أي التزام بمكافحة التضخم بمشاكل المصداقية؛ ستكون مسألة دراسة مصداقية مزيج السياسات وليس فقط مصداقية السياسة النقدية.

وبذلك انّ أي محاولة أحادية الجانب لتثبيت التضخم من خلال السياسة النقدية وحدها سيكون مصيرها الفشل، عاجلاً أم آجلاً، طالما بقي هناك عجز في الميزانية. وفي غياب التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية، ستكون السياسة النقدية مسؤولة عن ضمان خلق النقد لمنع عدم استدامة الدين العام، ويمكن في أحسن الأحوال تأخير التضخم.

وتؤكد الدراسات الكلاسيكية الجديدة لسارجنت ووالاس (1981) أنه حتى لو كان البنك المركزي يسيطر بصرامة على معدل نمو المعروض النقدي على المدى القصير، فإنّ المديونية المتزايدة للدولة يمكن أن تثير توقعات خلق نقد لإيفائه. وبالتالي، المزيد من التضخّم وتدهور القدرة الشرائية للمداخيل، وهو ما يعكس أحد أكثر المقاربات ملاءمة لحالة لبنان في الفترة الأخيرة من التسعينات الى اليوم.

إنّ إصدار الدين العام ناتج عن وجود عجز في الموازنة، أي عدم كفاية الإيرادات الضريبية مقارنة بإجمالي إنفاق الدولة خلال فترة معينة. من ناحية أخرى، إذا تجاوزت الإيرادات الإنفاق العام (فائض الميزانية)، ستكون الدولة قادرة على سحب مبلغ معادل من الدين العام القائم. وتسمّى هذه العلاقة بين إصدار / سحب الدين العام وحالة الميزانية في كل فترة: قيود ميزانية الدولة من حيث التدفق المالي.

يُذكر أنّ الإطار الطبيعي لتحليل العلاقة بين عجز الميزانية والديون هو قيود ميزانية الدولة. إحدى النقاط المهمة هي إمكانية الدولة تسييل عجزها (من خلال إصدار العملة المركزية). من أجل مراعاة هذه القدرة على خلق النقد، من الممكن بشكل مسبق النظر في قيود الميزانية الموحدة للدولة والسلطات النقدية. ومع ذلك، في هذه الحالة، سيكون من الضروري دمج كلّ من الموجودات والمطلوبات، وهذا يعني على وجه الخصوص دمج المطلوبات التي يحتفظ بها البنك المركزي بشأن الاقتصاد (ولكن ليس المطلوبات على الدولة).

ويلاحظ أنه كلما انخفضت الفجوة بين معدل النمو وسعر الفائدة، كلما ارتفعت نسبة الدين / التوازن طويل الأجل. وفي هذه الحالة من النمو القوي، لا يعاني الاقتصاد قيود الملاءة الزمنية. وفي هذه الحالة، لا نشهد مشكلة تتعلق بالقدرة على تحمّل الدين العام، ولكن على العكس من ذلك سنشهد حالة توازن تُعرف باسم حالة Ponzi». إنّ عدم وجود مخطط Ponzi، الذي يتكوّن من الاقتراض، لِدَفع، على وجه الخصوص، رسوم الفائدة على الديون القديمة المستحقة، ضروري لمواجهة قيود الميزانية بين فترات زمنية. إذا كان سعر الفائدة الحقيقي أعلى من معدل النمو، فإنّ نسبة الدين/الدخل تكون في البداية على مسار متفجّر، وبالتالي غير مستدام، وتعني قيود الملاءة المالية للدولة أنّ الدين العام الحالي يحتاج إلى فوائض أولية للموازنة.

 في ظل ظروف الأزمة المالية والدين العام غير المستدام، ستكون هناك زيادة في الفائدة على الدين العام في شكل تأثير «كرة الثلج»، ما يؤدي إلى انفجار الدين العام، وقد يؤدي أيضاً إلى فقدان الثقة في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها لسداد ديونها. من هنا يكون اللجوء إلى الديون لتمويل القطاع العام صعباً، وتكون النتيجة الوحيدة الممكنة هي تحويل جزء من الدين العام إلى نقود ما يؤدي إلى تضخم مفرط. وتُظهر معايير القدرة على تحمّل الديون التي تم تطويرها سابقاً أنّ تضخم التوازن الأعلى يتيح مجالاً أكبر للمناورة في السياسة المالية. وبالتالي، مع النمو غير المتغيّر ومعدلات الفائدة الاسمية، يسمح ارتفاع التضخم بتطبيق سياسة مالية أقل صرامة (السياسة المالية وسياسة الإنفاق) من دون أن يصبح الدين العام غير مستدام. لذلك نشهد «ضريبة تضخمية»، حيث يوفّر التضخم إيرادات ضمنية للدولة عن طريق تخفيض الدين العام القائم بالعملة الوطنية.

يبقى أنّ ثمن «إطفاء» الدين العام بالعملة الوطنية، عبر طباعة النقد من جهة والإعلان عن التخلّف عن سداد ديون العملات الأجنبية من جهة أخرى، ينعكس تراكماً في الخسائر في النظام المصرفي ككل بين خسارة قيمة دَينه بالليرة اللبنانية للدولة وعدم القدرة على تحصيل دينه لها بالعملات الأجنبية ولا حتى شهادات إيداعه بالعملات الأجنبية في الوقت الحالي لدى المصرف المركزي... صحيح أنّ استعراض تراكم عدم استدامة الدين العام وسُبل تمويله كانت تُهيّء لانهيار دراماتيكي للقصر المبني من رمل أمام أمواج البحر، إلّا أنّ العبرة تبقى في اتخاذ الخلاصات لإعادة البناء السليم والصخري للمستقبل. 


mardi 12 janvier 2021

أي اتجاه للدولرة الجزئية في لبنان؟ بين التعميم والإلغاء

 أي اتجاه للدولرة الجزئية في لبنان؟ بين التعميم والإلغاء... 

https://www.aljoumhouria.com/ar/news/571826/اي-اتجاه-للدولرة-الجزيية-في-لبنان--بين-التعميم-والالغاء?utm_source=editor&utm_medium=web&utm_campaign=listnews


Tuesday, 12-Jan-2021 06:19

اقتصاد


من المعروف أنّ الدولرة الجزئية كما هي الحال في لبنان منذ الأزمة النقدية في الثمانينات، هي نتيجة عمليات التضخم المرتفع أو التضخم المفرط، خصوصاً خلال فترات عدم الاستقرار الاقتصادي المرتبط بالعوامل المؤسساتية (التحكّم في حيازة الأصول بالدولار مع التدابير التي تحدّ أو تشجع مثل هذه الحيازة، وتحرير الأسواق المالية النقدية...) ومع ذلك، فإنّ الدولرة الجزئية التي تكون في الوقت نفسه عالية، يجب أن تكون إما وسيلة لتجنّب عيوب عدم استقرار العملة الوطنية في فترة معينة، وملجأ وسيطاً للعملاء الاقتصاديين، في انتظار استعادة الصدقية في العملة الوطنية، التي يجب أن تؤدي تلقائيًا الى التحرّر التدريجي من الدولرة والعودة التدريجية للعملة الوطنية، وإما أن تؤدي إلى تعميم دولرة شاملة في حالة صعوبة استعادة الثقة في العملة الوطنية والاستقرار النقدي المنشود، من خلال سياسة الاستقرار التي تتلاءم مع خصوصيات الاقتصاد الوطني. فما هي خصوصيات ومحاذير كل من هذين الخيارين والاتجاه نحوها؟

بعد سنوات من تثبيت سعر الصرف في لبنان، مع تطبيق سياسة نقدية متشدّدة منذ العام 1993 بمتوسط 1507.5 دولارات أميركية / ليرة لبنانية، ومنذ العام 1997، وعلى الرغم من الأزمات والتوترات السياسية التي مرّت بها البلاد، لم تُظهر فترات الاستقرار السياسي والاقتصادي توجّهاً فعّالاً نحو فك الدولرة، مما يدلّ الى الحاجة للسعي إلى سياسة استقرار نقدي فعلي في البلاد، أكثر فعالية في استعادة الثقة بالعملة الوطنية وصدقية السياسة النقدية التي من شأنها الغاء الدولرة وتحرير الاقتصاد الوطني من قيود السياسة الحالية.

 

إذا كانت الدولرة الجزئية، على الرغم من ارتفاعها كما هي الحال في لبنان، تشكّل «ملجأ» للعملاء الاقتصاديين من عدم استقرار القوة الشرائية لليرة اللبنانية، بعد تجربة تضخمية شديدة وانخفاض حاد في سعر الصرف للعملة الوطنية والاستقرار النقدي، وخصوصاً استقرار سعر الصرف لسنوات عدة، يجب أن يوفّر البيئة المناسبة للتراجع التدريجي عن الدولار المصاحب لعودة الثقة في العملة الوطنية. ومع ذلك، قد يكون من الصعب إزالة الدولار، حتى لو استمرت الدولة في استخدام عملتها الخاصة بالتوازي واستقرت قيمتها. ويتبيّن أنّه في حين أنّ الدولار يمكن أن يؤدي إلى مقدار أكبر من الاستقرار الاقتصادي الكلي، فإنّه يمكن أن يجعل النظام المالي أكثر عرضة للخطر. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الاستقرار الذي تعد به الدولرة نسبي في حدّ ذاته، لأنّ الدولار الأميركي (مثل أي عملة أخرى تختارها الدولة كمرجع وعملة بديلة أو موازية لعملتها الوطنية) يمكن أن يشهد تقلّباً في قيمته، مقارنة بسائر العملات الأجنبية.

 

في لبنان، وبدءاً من العام 1992، اتجّه نحو برنامج التثبيت التدريجي لسعر الصرف الاسمي، حتى اعتماد الهامش الضيّق 1501-1514 مع معدّل وسطي 1507.5 عام 1997، مما شجّع عودة الثقة النسبية، ومعدلات الفائدة المرتفعة على سندات الخزينة والتوقعات الإيجابية للقطاعات الاقتصادية، ولا سيما منها قطاع البناء، وازدياد صافي تدفق رأس المال الذي بلغ إجماله نحو 25 مليار دولار بين 1993 و 1997. وسمحت هذه التدفقات الرأسمالية للدولة بالحفاظ على سعر الصرف الإسمي وتقويته، والمساعدة في تحقيق معدل نمو سنوي خلال السنوات الأولى من إعادة الإعمار بنحو 40% من الإنفاق. ومع ذلك، فقد وصلت نِسَب العجز إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 20% و 90% على التوالي، ولم يتمّ حينها الشروع في إزالة الدولرة تلقائيًا (من دون إجراءات إلزامية ولكن بنتيجة استقرار العملة الوطنية). ولكن من أجل ذلك، كان من الضروري اختيار مرحلة عالية من الدورة الاقتصادية لإحراز تقدّم في خفض الدولرة، إن في الدين العام أو التعامل الاقتصادي في القطاع الخاص. إنّ الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي مقترنًا بعودة الثقة في العملة الوطنية يخلق الظروف اللازمة لتعزيز هذا الانقطاع عن الدولار، ومنع مخاطر عدم التوافق بين العملات، من أن يكون له تأثير سلبي على الملاءة المالية والسيولة للدولة والعملاء الاقتصاديين.

 

في الواقع، تتطلب الأزمة الاقتصادية الحالية في لبنان من الاقتصاد اللبناني، أن يحرّر نفسه أقلّه من إحدى القيود الرئيسية الثلاثة للسياسة النقدية التي سبق ذكرها: تثبيت سعر الصرف والدولرة والدين العام.

 

من ناحية، كان ولا يزال من الصعب فرض الخروج من مظلة دولرة الاقتصاد والتكامل المالي الدولي للبنان مع العالم. علماً أنّ إلغاء دولرة الاقتصاد إجبارياً يتضمن فرض تحويل الأصول والديون الى العملة الوطنية، بما يمكن إعتباره اعتداء على ملكية العملاء الاقتصادية وخياراتهم، مما يمكن أن يشجع النشاط الاقتصادي الموازي وغير المعلن، للاحتفاظ بالتعامل بالعملات الأجنبية، كما يمكن أن يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال والاستثمار الأجنبي في ظلّ حرية حركة الرساميل التي كانت سائدة حتى انفجار الأزمة أواخر العام 2019. أما بالنسبة الى دين الدولة، فلا يمكن تحويله أحادياً الى العملة الوطنية، خصوصاً وان كان على شكل سندات «يوروبوند» يتمّ تداولها عالمياً بالعملة الأجنبية للإصدار، وهي غالباً الدولار الأميركي، أما العجز عن تأمين الدولار للدائنين عند استحقاق هذه السندات، فيُعتبر ذلك تخلّفاً عن السداد مثلما حصل أخيراً في آذار 2020.

 

من ناحية أخرى، فإنّ التخلّي عن تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، وبالتالي السماح بتعويم الليرة اللبنانية بعد تحويل ما قد يكون أصولًا مالية محلية، من المحتمل أن يؤدي إلى انخفاض قيمتها، وجعل ثقل الدين العام غير قابل للضبط. فيما يبقى من ناحية هاجس الدين العام بالدولار الأميركي للدولة، ومن ناحية هواجس الجهاز المصرفي إزاء الدولة غير القادرة على السداد، مثلما هي حال من جهة مصرف لبنان، الذي يحمل سندات «يوروبوند» بأكثر من 5 مليارات دولار على الدولة اللبنانية العاجزة عن السداد منذ آذار 2020، والمصارف اللبنانية التي كانت تحمل «يوروبوند» بأكثر من 14 مليار دولار على الدولة اللبنانية، فضلاً عن توظيف أكثر من 70 مليار دولار لدى المصرف المركزي، بين 17.5 مليار دولار إحتياطي الزامي، يمثّل 15% من الودائع بالدولار الأميركي في المصارف التجارية (والتي تفوق 76% من مجموع الودائع، وهي تمثّل معدّل الدولرة مثلما هو متعارف عليه)، وأكثر من 52.5 مليار دولار كشهادات إيداع بالدولار الأميركي لدى مصرف لبنان.

 

أما في ميزات ومحاذير تقنيات الخروج من الدولرة التي اعتُمدت عالمياً فنذكر:

• التحويل الإلزامي للودائع بالعملات الأجنبية (الودائع بالعملات الأجنبية) من العملات الأجنبية إلى العملة الوطنية. وقد أدّت هذه الإجراءات في كثير من الأحيان إلى زيادة هروب رأس المال وعدم الوساطة (بوليفيا والمكسيك في عام 1982 وبيرو في عام 1985). وفي بعض الحالات، اضطرت السلطات إلى عكس ذلك (بوليفيا وبيرو).

• تعليق استخدام الودائع بالعملات الأجنبية، يمنع هذا الإجراء المودعين من سحب ودائعهم بالدولار وتحويلها من المصارف لفترة معينة (لا يتمّ تحديد المدة دائمًا مسبقًا). يمكن ربط الودائع بالعملات الأجنبية المجمدة بمستوى التضخم (الأرجنتين)، أو جعلها قابلة للاسترداد بالعملة المحلية (باكستان). تقوّض هذه الإجراءات الثقة في النظام المصرفي الوطني، وغالباً ما تؤدي إلى عدم الوساطة وهروب رأس المال.

 

أما الإجراءات التي تحقق النتائج المتوقعة في كثير من الأحيان، فيمكن اختصارها بـ:

• فترة الاحتفاظ (الحجب) الإلزامية للودائع بالعملات الأجنبية. وقد يرتبط هذا الإجراء بإدخال أدوات للعملة الوطنية مربوطة بسعر الصرف... الجانب السلبي المحتمل لهذا الإجراء هو أنّه سيشجع العملاء الاقتصاديين على تفضيل الاحتفاظ بالأوراق النقدية بالعملة الأجنبية بدلاً من إيداعها في حساباتهم المصرفية.

• الاستخدام الإلزامي للعملة المحلية في المعاملات الوطنية ولقائمة أسعار السلع والخدمات: يرتبط الالتزام بإدراج الالتزام بإجراء المعاملات والمدفوعات بالعملة الوطنية حصرياً. يُعد حظر استخدام العملات الأجنبية في المعاملات الداخلية إجراءً شائعًا (أنغولا وبيرو وغيرهما الكثير). ومع ذلك حتى إذا استمرت المدفوعات بالعملة الأجنبية، فإنّ عرض الأسعار بالعملة المحلية يمكن أن يعطي زخمًا إضافيًا لإلغاء الدولرة قسرياً وليس نتيجة استعادة الثقة بالعملة الوطنية.

• الإجراءات الاستنسابية ضدّ استخدام العملات الأجنبية ، قد تشمل فرض قيود على الاقتراض أو الإقراض بالعملة الأجنبية (أنغولا والأرجنتين وفيتنام) وباستثناء الودائع بالدولار من نظام ضمان الودائع، وما لم يكن الجمهور على دراية جيدة باستبعاد الودائع بالعملات الأجنبية من نظام ضمان الودائع، قد تشجع هذه الخطوات المصارف على استقطاب مزيد من الودائع بالعملات الأجنبية.

• ضوابط على أسعار الفائدة على الودائع بالعملات الأجنبية، التي تحدّد الحدّ الأقصى للفائدة التي يمكن أن تقدّمها المصارف المحلية على الودائع بالعملات الأجنبية، لتشجيع إزالة الدولرة عن الالتزامات.

• ضوابط على حركة الرساميل - يمكن أن يؤدي الفرض المؤقت للالتزامات لإعادة شراء منتجات العملات الأجنبية من المقيمين إلى انخفاض تدفقات الودائع بالعملات الأجنبية بنحو سريع.

 

قد يقتصر الوصول إلى الودائع بالعملات الأجنبية على وكلاء اقتصاديين معينين (مثلما جرى في المكسيك) أو على مصارف عابرة للحدود، وقد يتمّ حظر عمليات الائتمان أو ربطها بموافقة مسبقة.

 

وبذلك يتبيّن، انّ الدولرة الجزئية المرتفعة المتزامنة مع تثبيت سعر الصرف ليست خياراً دائما بل مرحلة إنتقالية نحو، إما تعميم الدولرة الشاملة واستبدال العملة الوطنية كلياً بالعملة الأجنبية، مع ما يعني ذلك من فقدان للسيادة النقدية ودور المصرف المركزي كـ»ملاذ أخير» لتمويل المصارف، وإما سبيلاً لإلغاء الدولرة والعودة كلياً الى العملة الوطنية.

 

ويبقى أنّ الخروج من الدولرة السليم يحتاج الى استعادة الثقة بالعملة الوطنية كخيار تلقائي للعملاء الاقتصاديين وليس كقرار إلزامي قسري تفرضه الدولة عليهم، حتى لا يؤدي ذلك الى افتقاد الثقة الأشمل بالنظام المصرفي ككل وتفلّته من الضوابط... فهل يشكلّ هول الأزمة الحالية صحوة في اتجاه خيار العودة الى اعتماد العملة الوطنية فرضاً، أم باستعادة الثقة بها، ضمن خطة إصلاحية متكاملة مالياً-نقدياً-مصرفياً-اقتصادياً؟

 


mercredi 30 décembre 2020

لبنان 2021: بين "مجلس النقد" و"المجلس المصرفي" و"الدولرة الشاملة"

 لبنان 2021: بين "مجلس النقد" و"المجلس المصرفي" و"الدولرة الشاملة" - د. سهام رزق الله (أستاذة محاضرة في كلية العلوم الاقتصادية لجامعة القديس يوسف)

Tuesday, 29-Dec-2020 06:20
https://www.aljoumhouria.com/ar/news/569730/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%...
بعد أكثر من ثلاثين سنة على اختيار الدولرة الجزئية بشكل تلقائي غير رسمي من قِبل اللبنانيين، سعياً للحفاظ على قدرتهم الشرائية بعد التدهور الأول لسعر صرف الليرة اللبنانية في الثمانينيات، وبعد نحو 22 سنة من اعتماد ربط سعر الليرة اللبنانية بالدولار الأميركي على أساس 1507.5، توازياً مع معدل دولرة لم ينخفض منذ سنوات عن حدود الـ70%.. سقط سعر الصرف، وعجزت الدولرة الجزئية غير الرسمية عن تحقيق غايتها... اليوم لم يعد السؤال عن كيفية استكمال الخيار النقدي المعتمد، بل بات السؤال الاستراتيجي، أي خيار هو الأفضل لاستبداله، لا سيما مع تشعّب البحث بين «مجلس النقد» و«المجلس المصرفي» و «الدولرة الشاملة الرسمية».. فما هو تعريف ومميزات كل من هذه الخيارات؟ وأي خصوصية للبنان إزاءها؟

من المعلوم أنّ التجربة القاسية لتضخم الثمانينيات أرخت بظلالها بقوة على خيارات السياسة النقدية مطلع التسعينيات، إذ تلقّى المصرف المركزي كرة النار، فكان عليه امتصاص التضخّم الذي أسهم في حدوثه بشكل أساسي، بسبب زيادة الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية، إن لتمويل الدولة أو لتلبية احتياجات تمويلية تحت كل ضغوط تلك الحقبة من الحرب وعدم الاستقرار على جميع المستويات...هكذا بدأ تأثير ذكرى فترة التضخّم والدولرة الجزئية غير الرسمية التي اختار اللبنانيون، حفاظاً على قدرتهم الشرائية على سلوك الحكومات والسلطة النقدية، بحثًا عن تثبيت استقرار قيمة العملة الوطنية وقدرتها الشرائية في مطلع التسعينيات، بعد انتهاء الحرب ميدانيًا.
وقد شكّل معدّل الدولرة المرتفع تقييدًا أيضًا للمصرف المركزي وسياسة تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، والتي كانت مكلفة للاقتصاد، من دون ضمان الاستقرار الفعلي. والبرهان على ذلك، استمرار معدّل الدولرة بحدود 76% بعد 22 عامًا من تثبيت سعر الصرف، فيما كان يمكن الانتقال التدريجي إلى نظام أكثر مرونة ومتماه مع مؤشرات ميزان المدفوعات، وطبعًا بأقل كلفة من العجز الفجائي عن التدخّل وترك الساحة للسوق الموازي.

أما أبرز المقترحات التي طُرحت لضمان الاستقرار النقدي في لبنان، فكانت إما اعتماد ربط الليرة بسلة من العملات لأبرز الشركاء التجاريين للبنان (أكثر البلدان التي تربطنا بها التجارة الخارجية) وفق ثقل يوازي النسبة المئوية للعلاقات التجارية مع كل منهم (مثلاً 40% تجاه الاورو اذا كانت نسبة التبادل التجاري مع أوروبا توازي 40% من مجموع تجارتنا الخارجية)، كذلك كان اقتراح الارتكاز على التوسع التدريجي لهامش سعر الصرف، وفق نهج ويليامسونWilliamson (2000) للاقتصادات النامية، مقارنة بالحالة في لبنان، ما يسمح بالانتقال التدريجي من نظام التثبيت الجامد لسعر الصرف إلى نظام أكثر مرونة، يسمح بتحديد أولويات هدف التضخم وفق تحليلات غولدشتاي Goldstein (2002). وفي الوقت نفسه، تعلّق هذه الدروس أهمية كبيرة على تنفيذ الإصلاحات المالية الموصى بها، للحدّ من وزن الدين العام، الذي يتحمّله البنك المركزي والمصارف التجارية، أي الجهاز المصرفي ككل، وبالتالي تجنّب التوقعات التضخمية المرتبطة بتوقعات تسييل الدين العام.

أما اليوم، بعد سقوط تثبيت سعر الصرف على أساس ربط الليرة بالدولار في ظل معادلة الدولرة الجزئية غير الرسمية، يبرز إقتراح إنشاء «مجلس النقد» Currency Board/Caisse d’Emission تنص هذه القاعدة على أنّ القاعدة النقدية - المكونة من الودائع التي تحتفظ بها البنوك والأوراق النقدية الصادرة عن مجلس العملة - يجب تغطيتها بالكامل وهامشياً بالعملة الاحتياطية. تؤسس قاعدة الاحتياطيات 100% هذه عدم مرونة فعليًا للعملة الأساسية، ومن المفترض أن تثبت صدقية السلطات النقدية بشكل دائم وعدم قابلية سعر الصرف للنقض. على مستوى الأدوات ، فإنّ مجلس النقد يضمن أنّ مجلس العملة وحده يضمن قابلية التحويل على قدم المساواة (على سبيل المثال، بمعدل واحد إلى واحد) لإصداراته بالعملة الاحتياطية، وبالتالي يشكّل احتياطيًا واحدًا.

عملياً يغطي مجلس النقد طباعة الليرة اللبنانية بنسبة 100% بالموجودات الخارجية (احتياطي بالعملات الاجنبية و احتياطي الذهب)، فيعيد الثقة المفقودة بالليرة، لأنّه يضمن القدرة على تحويلها من دون قيود، ما يجذب المستثمرين الأجانب ويزيد من إيرادات الدولة. والأهم في هذا الخيار، هو أنّه يقيّد المصرف المركزي فيمنعه تحديداً من طباعة العملة الوطنية بشكل إستنسابي من تمويل الحكومة Discretionnaire، ما من شأنه أن يرغم الدولة على القيام بالإصلاحات المالية، نظراً لتوقف إمكانية تحميل السياسة النقدية تبعات عجزها المالي وتحميل النظام المصرفي مدّها بالسيولة، ان بالتسليفات المباشرة أو عبر شراء سندات خزينتها بشكل متواصل دون ضوابط كما حصل.

فعلياً، ووفق الأرقام المعلنة، يملك «مصرف لبنان» احتياطياً ضئيلاً من العملات الأجنبية (لم يعد يتخطّى 800 مليون دولار أميركي فضلاً عن 17.5 مليار دولار تمثّل الاحتياطي الالزامي الممنوع من الصرف، كونه 15% من ودائع الناس في المصارف، ولا يجوز استخدامه لغير هذه الوجهة ولا حتى اعتباره ضمانة لخلق النقد ولا لغيره)، ولكنه يملك أيضاً احتياطي ذهب يفوق 24 تريليون ليرة، بإمكانه تغطية الليرة اللبنانية 3 مرات في حال تمّ تثبيت الصرف على 5000 ليرة للدولار، وفق الاقتصادي الخبير في أزمات العملات «ستيف هانك»، الذي أشار إلى أنّ «المدة الزمنية المطلوبة لإنشاء مجلس نقد في لبنان لا تتعدّى الـ 30 يوماً، تصبح من بعدها الليرة ثابتة بشكل مستدام»، مشبّهاً وضع البلاد الحالي بأزمة بلغاريا في أوائل التسعينيات، التي تخلّفت عن سداد ديونها مرات عدة بين 1991 و1997 فيما تخطّت نسبة التضخّم السنوي في بلغاريا 1230% (مقارنة بـ 283% في لبنان اليوم)، وبلغ عجز الموازنة العامة 14.2% (مقارنة بـ 11.4% في لبنان اليوم). وبعد إقرار مجلس النقد، انخفض التضخم إلى 1.6% ومعدلات الفائدة إلى 2.43% وتحول عجز الموازنة إلى فائض، وارتفع احتياط العملات الأجنبية من 864 مليون دولار إلى 3.1 مليارات دولار.

ولكن، يكمن التحدّي الأساسي في كيفية ضمان النقد بالليرة من خلال الذهب، بعد استنفاد الاحتياطي بالعملات الأجنبية والتسليم بعدم مس الاحتياطي الإلزامي.. والى أي مدى يشكّل ذلك خطراً من تسييل الذهب وخسارة آخر «عامل نفسي» مطمئن للبنانيين، في ظل ضعف ثقتهم الشاملة بكل الخيارات التي يمكن طرحها عليهم اليوم، قبل تلمّس أي منحى إصلاحي جذري وآفاق واضحة للمستقبل على مختلف المستويات..

كما ثمة تساؤلات حول مغبة خيار مجلس النقد تثبيت سعر الصرف وعدم قدرة السلطات النقدية على إجراء تعديل لسعر الصرف من أجل إدارة صدمات الاقتصاد الكلي الخارجية بشكل أكثر مرونة. في الواقع ، من المقبول عمومًا أنّ اختيار الثبات غير القابل للإلغاء لسعر الصرف يجب أن يأخذ في الاعتبار هيكل الاقتصاد الكلي ويكون أكثر ملاءمة للاقتصادات الصغيرة المتكاملة تجاريًا وماليًا. كما ثمة تساؤلات تتعلق بشكل أساسي بمسألة الإقراض كملاذ أخير Preteur en dernier ressort في هذا النوع من النظام النقدي. ومجلس النقد يمثل إشكالية في هذا الصدد، لأنّ من شأنه أن يحرم النظام المصرفي من قرض الملاذ الأخير للمصارف التجارية عند حاجاتها التمويلية. ويعتقد المدافعون عن مجلس النقد، أنّه إذا كان مجلس العملة يحتفظ باحتياطيات «فائضة»، فيمكنه في النهاية حشدها للتدخّل لدى المصارف. ومع ذلك، وكما رأينا في المقدمة، فإنّ مثل هذا الإجراء لا يتوافق مع قرض الملاذ الأخير ؛ إنّه يتوافق مع تحويل الاحتياطيات، والذي يظل مشروطًا للغاية وينطوي على عدم مرونة العملة الأساسية.

كما يعتقد المدافعون عن مجلس النقد، أنّ أي انحراف عن التشدّد النقدي من شأنه أن يقلّل من صدقية مجلس العملة، وبالتالي يعرّض لمخاطر العملة. نظرًا لإشكالية السيولة «غير المرغوب فيها» من قِبل مجلس النقد. فقد دعا بعض الاقتصاديين إلى التحول إلى الدولرة الرسمية للحدّ من ضخ المزيد من العملة الوطنية وضمان التشدّد في ضبط السيولة المتداولة.

الدولرة الرسمية الشاملة هي نظام يتمّ فيه دمج الأموال التي يصدرها بنك مركزي خارجي مع دمج النقود يدويًا. تؤدي هذه الخاصية إلى عدم مرونة عرض النقود اليدوية، بمعنى أنّه عندما يزداد الطلب على النقود اليدوية وينشأ نقص في السيولة، فإنّ النظام المصرفي غير قادر على تلبيتها. والنتيجة هي عدم الاستقرار في احتياطيات المصارف والقروض التي تقدّمها، وعدم استقرار في طبيعة انكماشية. من ناحية أخرى، يُلاحظ في هذا الصدد أنّ مجلس العملة يمكن أن يستجيب - ولكن إلى حدٍ معين فقط - للتغيرات في الطلب على النقود اليدوية، من خلال تعديل شكل التزاماته (زيادة تداول الأوراق النقدية وانخفاض في الودائع بين المصارف). من ناحية أخرى، للتغلب على عدم مرونة عرض النقود اليدوي هذا، دعا Hanke and Schuler (2001) إلى الإصدار المجاني للأوراق النقدية. في حين أنّ هذا الاقتراح يسمح للنظام المصرفي بتوفير نقود يدوية مرنة، إلّا أنّه يترك مسألة مرونة الأموال الأساسية دون إجابة.

كما ثمة خيار ثالث يتمثّل بإنشاء المجلس المصرفي Banking Boad يختلف عن «مجلس النقد»، إذ في ظلّ المجلس المصرفي لا توجد قاعدة إصدار أو احتياطي واحد، ولكن يوجد مقرض الملاذ الأخير، بينما تحت مجلس النقد، لا يوجد مقرض الملاذ الأخير، ولكن قاعدة واحدة والاحتياطي. يستجيب المجلس المصرفي لمبدأ القابلية للتحويل إلى عملة خارجية (عملة معدنية أو عملة أجنبية) ويؤسس تسلسلاً هرميًا مصرفيًا بين المصارف التجارية في القاعدة والبنك السيادي الأعلى على رأسها. حتى الآن، اتخذ المجلس المصرفي سمة من سمات الدولرة، وهي عدم وجود احتياطي واحد وقابلية التحويل إلى عملة خارجية على مستوى المصارف التجارية. ومع ذلك، لا يزال هيكلها العام مختلفًا جدًا، نظرًا لوجود شكل معين من المصرف المركزي. ينظم البنك المتميز (أو البنك المركزي، إذا اتبعنا تعريف Hawtrey) عمليات المقاصة بين المصارف، وهو مؤسسة ذات تغطية جزئية، تضمن إمكانية التحويل على قدم المساواة من عملتها إلى عملة خارجية ؛ تُصدر الأموال بين المصارف في شكل أوراق نقدية أو ودائع تحتفظ بها المصارف التجارية، وبالتالي يمكنها أن تكون بمثابة مقرض الملاذ الأخير.

يختلف المجلس المصرفي عن مجلس العملات، من حيث أنّه لا يوفر إمكانية التحويل من تلقاء نفسه ؛ ومع ذلك، فإنّه يضمن سيولة النظام المصرفي، بالنظر إلى حقيقة أنّ الإصدارات المصرفية قابلة للتحويل إلى عملة خارجية وإلى عملة أعلى (أو مركزية). علاوة على ذلك، لا يتبع البنك الأعلى سياسة نقدية تهدف إلى تثبيت المستوى العام للأسعار أو الحفاظ على التوظيف؛ بداهة أنّها لا تطبّق سياسة سعر الصرف.

في حين أنّ مجلس العملة يربط بين خاصيتين تبدوان متناقضتين، وهما اللامركزية المصرفية والمركزية النقدية الكاملة ، فإنّ المجلس المصرفي يربط بين خاصيتين لا تتعارضان بأي حال من الأحوال، وهما التسلسل الهرمي المصرفي (البنوك التجارية والبنك المركزي) وعدم التركيز النقدي (تضمن البنوك التجارية والبنك المركزي إمكانية التحويل إلى عملة خارجية).

نحدّد المجلس المصرفي كنظام مصرفي هرمي في إطار قابلية التحويل: في الأعلى، مؤسسة ذات تغطية جزئية، البنك المركزي (أو الأعلى)، يُصدر سيولة بين المصارف قابلة للتحويل إلى عملة خارجية ؛ في الأساس، تضمن مصارف الدرجة الثانية إمكانية تحويل عملتها إلى عملة البنك الأعلى وإلى عملة خارجية. ومن ثم ، فإنّ البنك الأعلى هو شكل معين من أشكال البنك المركزي في سياق قابلية التحويل. تمّ التخلّي عن قاعدة (احتياطيات 100%) وأداتها (الاحتياطي الفردي)، الأمر الذي يسمح بإزالة مخاطر الصرف وإعطاء النظام المصرفي الملاذ الأخير للمقرض السيادي..

تحت المجلس المصرفي، كل مصرف «يحتفظ» باحتياطياته الخاصة، والتي توجد بشكل هامشي في خزائنه الخاصة، ولكن بشكل رئيسي في خزائن ودفاتر المؤسسة - البنك الأعلى - التي تقوم بإجراء المقاصة بين المصارف. بعبارة أخرى ، يضمن البنك الكبير قابلية تحويل التزاماته المستحقة عند الطلب، وعلى الرغم من أنّ قابلية التحويل هذه تحدث على مستوى هرمي أعلى ، إلّا أنّها ليست المؤسسة الوحيدة التي تضمن قابلية التحويل إلى عملة خارجية. ونظرًا لتعدد العقود المصرفية القائمة على التزام عدد كبير من المصارف، فإنّ التوقعات تتعلق بقدرة كل مصرف على الاحتفاظ بالسيولة. وبالتالي، هناك تباين في التوقعات في ما يتعلق بقدرة العديد من المؤسسات المصرفية على ضمان قابلية التحويل إلى عملة خارجية - وليس تجانس التوقعات في ما يتعلق بالتزام البنك المصدر وحده. بهذه الطريقة، لا يوجد خوف مسبق من تخفيض قيمة العملة أو مخاطر العملة. فلا تزال هناك مخاطر سيولة مبعثرة بين العديد من المصارف التجارية ، فضلاً عن مخاطر السيولة على مستوى أعلى بنك. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أنّ أسعار الفائدة أقل مما هي عليه في لوحة العملة (لا يوجد المزيد من مخاطر الصرف) وأقل تقلبًا من الدولرة (العملة اليدوية كعملة أساسية ، كلاهما مميز ومرن).

مع الاشارة الى أنّه من خلال إلغاء الاحتياطي الفردي ، فإنّ المجلس المصرفي يجعل من الممكن الخروج من هذا المأزق ؛ ولا يعود هناك أي مخاطر صرف، والنظام لديه مقرض الملاذ الأخير ؛ لا يوجد قيد كمي يؤثر على مستوى الاحتياطيات أو قضايا البنك الأعلى. كذلك، فإنّ غياب مخاطر العملة لا يمكن بالتالي أن يؤدي إلى حدوث أزمة مصرفية أو تفاقمها، والتي يمكن احتواؤها من قِبل البنك الأعلى. بالإضافة إلى ذلك، إذا كان هناك مخاوف في ظلّ مجلس النقد من أنّ خطر عدم السيولة سيتحول إلى مخاطر إفلاس بسبب عدم وجود قرض الملاذ الأخير، وبالتالي زيادة قسط التخلّف عن السداد، كما احتمالية تخفيض قيمة العملة ، فإنّ الحفاظ على السيولة من قِبل البنك الأعلى داخل نظام مجلس الإدارة المصرفية، يجعل هذا التحول أقل احتمالية.

أما الدولرة الشاملة فهي تتميز بطابعها النهائي (غير القابل تقريبًا للرجوع عنه). واذا كانت تنبع المزايا الرئيسية للدولرة من صدقيتها في الدولرة الكاملة، مرادفة بالنسبة للدولة لخسارة أرباح طباعة العملة الوطنية seigneuriage (الناتج بشكل أساسي من الفرق بين تكلفة إنتاج العملات المعدنية والورقية وقوتها الشرائية، وهي عملياً، إذا تجاهلنا الحدّ الأدنى من تكلفة طباعة الأوراق النقدية والصناعة المعدنية، تصبح تساوي الزيادة في حجم العملة الوطنية المتداولة). فضلاً عن كون الدولرة الكاملة تلغي دور المصرف المركزي الوطني كملاذ أخير للإقراض المصرفي.. وبالتالي تجعل البلد المعني بالدولرة الشاملة والرسمية يخسر «السيادة النقدية» المتمثّلة بالعملة الوطنية، وهي الى جانب العلم، تمثّل رمز استقلال وسيادة الوطن، وهنا يصبح للموضوع أبعاداً أوسع من الناحية النقدية البحتة.

يبقى أنّ السياسة النقدية كعنصر أساسي من السياسة الماكرو اقتصادية الشاملة، لا يمكن عزلها عن السياسات العامة للأوطان، وكأنّها على جزيرة مستقلة عن مختلف العوامل السياسية والاجتماعية الشاملة. وكما كان للخيار المعتمد منذ سنوات نقاط قوة ومكامن ضعف، ساهمت في ما وصلت اليه الأوضاع اليوم، كذلك للخيارات المطروحة اليوم آفاق وتحدّيات للمستقبل، وارتباط طبيعي بمجمل عناصر السياسة الاقتصادية وخيارات السياسات العامة للدولة ورؤيتها للدور المستقبلي للبنان. فمن هنا يبدأ البحث لاعتماد خيار جديد. وعلى هذا المستوى ستكون مسؤولية اتخاذه.https://www.aljoumhouria.com/ar/news/569730/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-2021-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%AF-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%81%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D9%85%D9%84%D8%A9?utm_source=editor&utm_medium=web&utm_campaign=listnews&fbclid=IwAR3uPEOif9GiSoCbOr8vYMzzDTB8MXmxQwSPZleSg7ADkQxRa5-UejAq6Q4